سلسلة

    رحلتي من الظلمة إلى النور

              (6)

  صلبوه .. أم شبه لهم

                             

 

 

 

 

                      بقلم

             فيبي عبد المسيح صليب

            ناهد محمود متولي (سابقا)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                         بسم الآب ولأبن والروح 

                              القدس الله واحد

                                   آمين

              

 

 

            إهداء

إلى أبنائي الذين احبهم وسأظل ....

إلى كل من ساعدني وشجعني في إتمام هذا العمل ...

إلى السالكين في الطريق من الظلمة إلى النور أنني بدموع وصلاة أنتظركم ....

 

                                                            ناهد

 

 

 

 

حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلفة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                    المقدمــة     

      كانت هناك مواضع في المسيحية تقف حائلا دون اقتناعي بها ؛ بل كانت تدفعني تارة إلى الإشفاق علي المسيحيين وتارة إلى تكفيرهم والقول بأنهم حرفوا إنجيلهم وكتبهم. من بين هذه المواضيع وأهمها هو صلب المسيح ؛ وكلما أردت أن أعرف الحق في ذلك لا أجد أمامي سوى القران ؛ فهو القصص الحق في معرفة ما حدث للمسيح عيسى أبن مريم.

نعم كنت أؤمن أن القرآن هو آخر الرسالات وهو آخر أتصال بين الأرض والسماء وهو الكتاب الذي أرسله الله لكي يصحح الكتب السابقة التي حرفها اليهود والنصارى.

كان نظري قصيرا فلم يمتد إلى أبعد من القرآن ؛ فكتب النصارى وإنجيلهم تحرف ؛ لكن متى وكيف وأين مواطن التحريف وما هو هدف التحريف وأين الإنجيل الأصلي ؟؟ أسئلة لا يجب أن ترد على خاطري فهى كفر ؛ ولكن السؤال الأخطر أين أنجيل النصارى الذين مدحهم النبي وقال أن لا خوف عليهم وهم الأقرب مودة؟ أين أنجيل ورقة بن نوفل الذي رآه النبي في الجنة عليه ثياب بيض ويعوم عوم الدعموس " الضفدع الصغير" أين الأنجيل العبراني الذي ترجمه ورقة عم خديجة والذي ختم محمد بختم النبوة؟ ...

أسئلة لا يجب علي أن أطرحها أو حتى أفكر فيها ؛ فقد شربت هذا الأمر مع لبن الرضاعة وهو موضوع مؤكد لا يجب عليّ أن أبحث فيه أو أقترب منه فهو أمر محسوم حسمه شيوخنا الأفاضل وعلماؤنا الأجلاء وليس ليّ إلا أن اصدق وأأمن على ذلك.       

نعم كان ينتابني العجب والسخرية كيف للنصارى أن يقولوا عن نبيهم وإلههم أنه صلب وبصقوا في وجهه وكيف يتصور أن يكون المسيح أبن الله ويسمح الله أن يصلب أبنه وحبيبه ويسخر منه البشر!! وأبوه يقف يتفرج !! المسيح إلههم يصلب ويدفن ثلاثة أيام !! عجبي كيف يموت إلههم ومن كان يحكم العالم في الثلاثة أيام لعل الكواكب تصادمت وأنقلب العلم ...

كم كنت أنظر إلى المسيحيين بسخرية ما بعدها سخرية ؛ نعم كنت أتهمهم بالغباء والتدليس والكذب .. كنت أقول لو قرءوا آية واحدة في القرآن لعرفوا الحق " ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" ما أسهل الآية وما أوضحها ... نعم لا تحتاج لكثير عناء ...

لكن بعد رحلتي إلى الكعبة لإداء العمرة وحدث فيها ما حدث وبعد حواراتي مع سكرتيرتي المسيحية ؛ بدأت اقرأ القرآن بطريقة أخرى لا بطريقة الحفظ والتلقين بل بعيون فاحصة مدققة ؛ رحت أفكر في كل كلمة وما يعصى عليّ فهمه كنت أرجع إلى كتب التفاسير لا إلى أقوال الشيوخ الذين فقدوا مصداقيتهم تماما بعد رحلتي إلى الكعبة. بل ذهبت إلى أبعد من ذلك وكسرت الطوق ؛ فلماذا لا أقرأ كتب النصارى واليهود الإنجيل والتوراة ؛ بل لماذا لا أحفر في كتب التاريخ ؛ فالتاريخ ينطق بالصدق ولا يستطع أحد أن يزوره وإن كان المنتصرون هم الذين يكتبون التاريخ ؛ فلماذا لا أقرأ كتب التاريخ الإسلامي حتى أكون في مأمن من التزوير ....

كانت المفاجأة والحيرة التي ما بعدها حيرة ؛ العلم والعقل والتاريخ وكتب اليهود والنصارى كلها في ناحية والقرآن وحده يقف في ناحية عاريا من أي سند من التاريخ أو العقل أو منطق ...

هل كنت أسير 45 عاما على ضلال ؟؟ هل من كفرتهم وسخرت منهم كانوا على حق وكنت أنا على باطل ؟؟ هل كان شيوخنا أمناء صادقين أم كذبه محرفين مزورين ؟ ماذا أفعل فيما توصلت إليه وبت على قناعة تامة من صحته؟ هل أكابر وأصر على ما كنت فيه مغلقة عيني وعقلي على ما توصلت إليه؟ كيف أقف أمام الله الديان العادل العارف بخفايا القلوب والذي أنار لي وعرفني الحقيقة؟ نعم كانت الحقيقة أنصع من أن تطفئ نورها عقبات الأهل وغضبهم وحد الردة ومطاردات أمن الدولة وتطاول زملائي المسلمين علي بالقول بفسوقي وكفري ولعنة الله عليّ إلى يوم الدين هذا من ناحية ومن الناحية الأخرى هروب زملائي المسيحيين مني وفرارهم كما الفرار من الأسد أو الجمل الأجرب.

نعم كانت الحقيقة أقوى من كل ذلك وها أنا أضعها أمامكم كاملة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

             آيات تقودي للبحث

     كنت أعتقد أن النصرانية كما اليهودية والإسلام هم ثلاث ديانات سماوية لكن النصارى واليهود طال بهم الزمن فحرفوا كتبهم فجاء الإسلام أخر رسالات السماء والتي ما بعدها رسلات ؛ وهي الرسالة التي ألغت ونسخت ما قبلها ؛ والقرآن هو القصص الحق ؛ تلك هى المسلمات والبديهيات التي كانت لا تقبل النقاش ؛ لكن بعد أن قرأت آيات القرآن وجدت فيه آيات تمدح النصارى وتثني على إيمانهم وكتبهم وتتوحد معهم في إله واحد وآيات تكفرهم وتناقض إيمانهم بل وتقول بأنهم مشركين وكفار وكأن موقف القرآن من النصارى موقفين متباعدين متناقضين وكأن النصرانية نصرانيتين وكأن النصارى فرقتين ؛ فقلت ربما كانت هناك فرقتين فرقة على الإيمان الإسلامي من صلب الشبيه وفرقة ثانية على الإيمان بصلب المسيح ؛ ففكرت أن أبحث وأحفر وأتتبع آثار هؤلاء النصارى الموافقون للنبي والقرآن على أن المصلوب هو الشبيه ؛ والأقرب للعقل وجب عليّ أن أجد هؤلاء في عصر النبي أو قبله فليس من المعقول أن يتحاور النبي مع أحجار أو يمدح نصارى لا وجود لهم وتلك هى الأيات التي أثارت فيّ روح البحث :

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(البقرة : 62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (المائدة : 69)

أين هؤلاء النصارى الذين لا خوف عليهم ولهم أجرهم يوم القيامة؟ هل هم نفس النصارى الذين يؤمنون بالصلب؟ بالطبع لا ... لابد أنهم نصارى كانوا في جزيرة العرب أو نصارى قبل الإسلام أو نصارى في عصر النبي كان لهم إيمان لا يقل بالصليب والصلب ولابد أن أبحث عنهم وأجدهم؟

إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (آل عمران :55)

أين هم هؤلاء النصارى الذين إتبعوا عيسى ووعد إله محمد أن هؤلاء فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة؟ هل هم حواري المسيح؟ هل هم نصارى في حقبة معينة من التاريخ؟ أين هم؟ أين كتابهم الذي يتوحد مع محمد في صليب شبيه المسيح وإلههم وإله محمد واحد؟  

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ  (المائدة : 82 ـ 83)

أين هم النصارى الأقرب مودة للمسلمين؟ هل هم النصارى الذين يؤمنون بالصلب والصليب أم هم نصارى يتفقوا مع الإسلام في إنكار الصلب والصليب وتكفير من يقول به؟ أين هم النصارى الذين ترق قلوبهم مع رقة ألفاظ القرآن وتطابقه مع إيمانهم فتفيض عيونهم بالدمع الغزير؟ هل كانوا يعيشون في عصر النبي؟ أين هى ديارهم هل لهم أثر أم أنشقت الأرض وأبتلعتهم؟ أين كتابهم الذي يقول بصلب شبيه المسيح؟ يردد شيوخنا هذه الآيات كثيرا في إبراز موقف الإسلام من مودة النصارى ؛ على من تنطبق؟ هل تنطبق على نصارى هذه الأيام الذين يقولون بصلب المسيح؟ أم نصارى لا وجود لهم وما كلام الشيوخ إلا كلام في الهواء أو ذر الرماد في العيون أو خداع للبسطاء أم نفاق من شيوخنا ليس إلا؟ أين الحقيقة؟ لابد أن أسعى في طلبها وسأجدها مهما كلفني معرفتها.

ولا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (العنكبوت : 46)

أين هم النصارى الذين يتوحدون مع المسلمين في عبادة نفس الإله ؟ أين هم النصارى المأمورون نحن أن نجادلهم بالحسنى ؛ هل هم النصارى الذين يقولون بصلب المسيح أم يجب أن يكونوا نصارى لا يقولون بالصلب ويكفرون من يقولون به؟ ويجب أن ينص كتابهم على صلب شبيه المسيح؟

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة: 46 ـ 47)

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ (المائدة : 66)

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (المائدة :68)

أين هذا الإنجيل الذي يطالب النبي النصارى بتطبيق أحكامه ومن لم يحكم به فهو فاسق؟ هل في هذا الإنجيل حديث عن صلب المسيح أم حديث مطابق للقرآن بأن شبه لهم الصلب وصلبوا البديل؟ القول بالتحريف أو الرفع للإنجيل الصحيح طعنة للقرآن وللنبي فلا يعقل أن يقول هذه الآيات المحكمات ويطالب بتطبيق أحكام كتاب محرف أو مرفوع أو منسوخ ؟ وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 40)

هل هذه البيع أو الكنائس كان يرفع فيها الصليب؟ بالطبع لا ... أين أجد هذه البيع أو الكنائس التي كان يرفع فيها أسم الله ولا يرفع فيها الصليب؟

ثم يأتي القرآن ويصفعني بآيات تكفر النصارى وتجعلهم كفارا

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  (المائدة :51)

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ الله وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ الله ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ الله أَنَّى يُؤْفَكُونَ (التوبة:30)

في هاتين الآيتين وغيرهما صفعني القرآن صفعات قوية وبعد أن كان النصارى الأقرب مودة واليهود والذين أشركوا هم الأشد عداوة أصبح النصارى واليهود في سلة واحدة ولا يجب أن أتخذهم أولياء أو أصدقاء والآية الثانية قالت النصارى المسيح إبن الله وساوى القرآن بينهم وبين الذين كفروا ووسط تلك الحيرة قلت ربما كانت النصارى فرقتين فرقة على الإيمان الإسلامي وفرقة تقول بالمسيح إبن الله رغم أن كلمة النصارى لا تعني وجود فرقتين بل كل النصارى لكنني فقلت سأبحث عن تلك الفرقة وسأجدها أو سأجد الحقيقة التي كانت هدفي ؛ نعم تلك الآيات كانت بمثابة المنخاس الذي يوخذ ضميري إذا غفا أو أنتابني شئ من التراخي أو الكسل أو الفتور فأعود أنشط مما كنت ؛ نعم كانت هذه الآيات بمثابة الدليل الذي وضعته أمامي وأخذت أجري خلفه لكي أصل إلى هؤلاء النصارى الذين لا يقولون بالصلب والصليب ويقولون أن المصلوب شبه المسيح. هل هؤلاء النصارى كانوا في جزيرة العرب أم في كل أنحاء العالم؟ هل هم عرب الجاهلية من النصارى؟ هل هم حواريّ المسيح؟ ماذا قال التاريخ عنهم ؟ أين النصارى الذين هم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة؟ هل لي أن أستنطق التاريخ وأبحث عن هؤلاء النصارى؟ وقد فعلت وجريت أحفر التاريخ وأتتبع أي خيط يقودني إلى هؤلاء النصارى الذين ينكرون صلب المسيح ويقولون كما قال القرآن بأن الذي صلب هو شبيه المسيح واضعة نصب عيني أن أعرف من صلب هل المسيح أم شبه المسيح؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

    كلمة التاريخ في صليب المسيح

عندما تتضارب أقوال البشر ربما تكون كلمة الفصل والصدق نلتمسها فيما ينطق به الحجر !!

لقد سطر البشر الكثير من الحوادث والأحداث على جدران المعابد وعلى الأحجار وكان لكلمة التاريخ كلمة الفصل ؛ فلماذا لا ابحث قليلا في التاريخ وأعرف ماذا قال التاريخ في قضية هي من اكبر القضايا الخلافية بين المسيحية والإسلام ؛ لا بل هي جوهر القضايا حيث لا مسيحية بدون الصلب لا بل أكثر من هذا لا خلاص من الخطيئة إلا بصلب المسيح ؛ أما في الإسلام فتكفير من يؤمن بالصليب أمر لا نقاش فيه وحتى حسب التعبير العامي عندما كنت أسبهم أقول يا عباد الصليب ؛ وربما أخذني الحماس فكنت أنزع الصليب من صدور الطالبات وأطرحه أرضا ؛ وبرغم نفي الصلب والصليب في الإسلام وتكفير أتباعه فعندما كنت أرجع إلى القرآن أجد أن الصليب والصلب جاء في آية مقتضبة غامضة تقبل التأويل وتضاربت فيها أقوال العلماء تضاربا كثيرا ....

رحت أحفر في التاريخ أستنطقه واضعة نصب عيني آلايات المحورية التي جاء بها القرآن تمدح النصارى وإيمانهم فلزاما أن يكون هؤلاء النصارى على الإيمان الإسلامي الصحيح بأن لا يؤمنوا بالصلب والصليب للمسيح بل للشبيه فلعلي أجد أثرا لهؤلاء.

أكتشاف صليب المسيح

لقد كانت أولى الصدمات التي زلزلت كياني هي أن أغلب كتب التاريخ الإسلامي والتي لا يكاد يخلو كتاب منها إلا وذكر أن الصليب الذي صلب عليه المسيح كان موجودا بحوذة  النصارى قبل الإسلام بمئات السنين وضحى الآلاف من النصارى بحياتهم من أجله بل أن حواري عيسى منذ فجر النصرانية فقدوا حياتهم من أجل الصليب وتعرض بسببه النصارى للتعذيب بكل صنوف العذاب من قبل اليهود وعابدي الأوثان أما العذاب الأكبر الذي كانوا  يوجهونه للنصارى أن يأخذوا منهم خشبة الصليب ويدفنوها في الأرض ويخفونها عن أتباع المسيح.

وبفتح كتب التاريخ نجد أن للصليب قصص طويلة تأخذ مساحة واسعة من كتب التاريخ الإسلامي وها هى بعضها ؛ محاولة قدر أستطاعتي إختصارها ؛ لأنها كثيرة جدا بصورة مذهلة ؛ واضعة نصب عيني سؤالي الأساسي ؛ وهو البحث عن هؤلاء النصارى الذين لا يؤمنون بصلب المسيح بل يكفرون من يقول به ويؤمنون بصلب شبيه المسيح.

يذكر المسعودي في التنبيه والإشراف أخبار الروم القياصرة فيقول : وثالث ملوكهم أوغسطس ... وسمي قيصر تفسير ذلك بهذه اللغة شق عنه وذلك أنهم ذكروا أن أمه مات وهي مقرب به فشق عنه بطنها واستخرج وصار ذلك كالسمة كثير من ملوكهم‏.‏ واشتهر ذلك عنهم فسمتهم العرب بالقياصرة ملك ستاً وخمسين سنة وخمسة أشهر وأكثر من عني بأخبار ملوك الروم وتواريخهم بأوغسطس يبتدئ لأنه أول ملك من ملوك الروم خرج عن مدينة رومية دار مملكته وسير جنوده براً وبحراً فاستولى على ملك اليونانيين ومصر والشام‏.‏ وقتل قلوبطرة آخر ملوك اليونانيين فاجتمع له ملك الروم واليونانيين وزالت رسوم اليونانيين فسمي الجميع روماً وذلك لاثنتي عشرة سنة خلت من ملكه وولى هيرودس بن أنطيقوس على أورشلم وهي بيت المقدس وجبل يهودا وجبل الجليل ولاثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه كان مولد المسيح عليه السلام ببيت لحم من بلاد فلسطين يوم الأربعاء لست بقين من كانون الأول وكانت مريم يوم ولدته بنت ثلاث عشرة سنة عند النصارى وكان جميع عمرها إحدى وخمسين سنة منها بعد رفع المسيح ست سنين ...  ولخمس عشرة سنة خلت من ملكه عمد إيشوع الناصري عند النصارى في نهر الأردن وكان المعمد له ابن خالته يحيى بن زكرياء ولذلك سمي يحيى المعمداني واسم أمه صابات وكان أكبر من إيشوع بستة أشهر ولسبع عشرة سنة خلت من ملكه وهي سنة 342 للإسكندر بن فيلبس الملك كان عند النصارى صلب إيشوع الناصري وذلك في يوم الجمعة الثالث والعشرين من آذار وهو عندهم منه مثل اليوم الذي أهبط فيه آدم من الجنة ومات عندهم ودفن وقام وانبعث من بين الموتى حياً وصعد إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة ولا يصعد عندهم إلى السماء إلا من نزل منها وكان فصح اليهود في هذه السنة يوم السبت لسبع بقين من آذار وفصح النصارى إلى قيامة المسيح يوم الأحد لست بقين من آذار والصعود يوم الخميس لثلاث خلون من نيسان والنصارى تصوم يوم الأربعاء لأن إيشوع ولد فيه والجمعة لأنه صلب فيه عندهم تطوعاً لا فريضة الخامس " ملوكهم" غائيوس بن طيباريوس ملك أربع سنين وقتل اصطفنوس رئيس الشمامسة والشهداء عند النصارى ويعقوب أخا يوحنا بن زبدي في خلق كثير من النصارى السادس "ملوكهم" قلوذيوس بن طيباريوس ملك أربع عشرة سنة وفي أول سنة من ملكه قتل أغريفوس عامله على الإسرائليين يوحنا بن زبدي أحد التلاميذ وحبس شمعون الصفا ثم خلص شمعون الصفا من الحبس وصار إلى مدينة أنطاكية والنصارى يدعونها مدينة الله ومدينة الملك وأم المدن لأنها أول بلد أظهر فيه دين النصرانية وبها كرسي بطرس ويسمى شمعون وسمعان وهو خليفة إيشوع الناصري والمرأس على سائر التلاميذ الاثني عشر والسبعين وغيرهم فشرع بطرس في بناء الكنيسة المعروفة في أنطاكية بالقسيان إلى هذا الوقت وفي السنة الثالثة من ملكه دخل شمعون الصفا مدينة رومية وسقف بها ودبرها سنين ودانت امرأة الملك وكان اسمها فروطانيقي ويقال لها بطريقية النصرانية وصارت إلى أروشلم وهي بيت المقدس فأخرجت الخشبة التي تظن النصارى أن المسيح صلب عليها ويسمونها صليب المسيح وكانت في أيدي اليهود قد منعوا النصارى منها فأخذتها منهم وردتها على النصارى وقوت أمرهم.

(*) التنبيه والاشراف للمسعودي

 

جاء في كتاب الكامل لأبن الأثير: ذكر غير واحد من علماء التاريخ أن الروم غلبت اليونان، وهم ولد صوفير، ... وكانوا يدينون قبل النصرانيّة بمذهب الصابئين، ولهم أصنام يعبدونها على عادة الصابئين ـ هل هم الصابئين الذين قال عنهم محمد بأن لا خوف عليهم ؟ ـ فكان أول ملوكهم برومية غاليوس..... ملك بعده ابنه غايوس أربع سنين، وهو الذي قتل اصطفنوس رئيس الشمامسة عند النصارى ويعقوب أخا يوحنّا بن زبدي، وهما من الحواريّين، وقتل خلقاً من النصارى، وهو أوّل الملوك من عبّاد الأصنام قتل النصارى.

ملك قلوديوس بن طيباريوس أربع عشرة سنة، وفي ملكه حبس شمعون الصفا، ثم خلص شمعون من الحبس وسار الى انطاكية، فدعا الى النصرانية، ثم سار الى رومية فدعا أهلها أيضاً، فأجابته زوجة الملك وسارت إلى البيت المقدس وأخرجت الخشبة التي تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها، وكانت في أيدي اليهود، فأخذتها وردتها الى النصارى.

 ملك نيرون ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، وفي آخر ملكه قتل بطرس وبولس بمدينة رومية وصلبهما منكّسين، وفي أيّامه ظفرت اليهود بيعقوب بن يوسف، وهو أول الاساقفة بالبيت المقدس، فقتلوه وأخذوا خشبة الصليب فدفنوها، وفي أيّامه كان مارينوس الحكيم صاحب كتاب الجغرافيا في صورة الأرض.

(*) الكامل في التاريخ لأبن الأثير. باب الطبقة الأولى من ملوك الروم.

لقد ذكر إثنين من عمالقة التاريخ الإسلامي ما لاقاه حواريّ المسيح وتلاميذه والنصارى أتباع المسيح من تقتيل وتنكيل على أيدي عابدي الأصنام ؛ ويشيرا إلى أن اليهود منذ فجر المسيحية غيبوا خشبة صليب المسيح بعد أنتزاعها من النصارى ؛ ويصفا خط سير بطرس أو شمعون الصفا من فلسطين إلى أنطاكية ثم إلى رومية ؛ وهناك آمنت بالنصرانية زوجة الملك على يدي بطرس أو شمعون الصفا ؛ وهى التي أنتزعت خشبة صليب المسيح من أيادي اليهود وردتها للنصارى ؛ وهنا يشير المسعودي وأبن الأثير عن المرة الأولى التي تم فيها الكشف عن خشبة الصليب التي غيبها اليهود في باطن الأرض. ويستمر المؤرخان في تتبع الأحداث وتنصيب نيرون ملكا وهو الذي قتل بطرس وبولس برومية. ولكن السؤال الذي يلح على رأسي ؛ لماذا سارت زوجة الملك إلى بيت المقدس وأخرجت خشبة الصليب وردتها للنصارى؟ هل صليب الشبيه الذي خان المسيح يحظى بكل هذا الأحترام والتعظيم عند النصارى وعند حواري المسيح أم أنه صليب المسيح؟ لو أنه صليب الشبيه ؛ لماذا لم تظهر أي جماعة من النصارى تقول بذلك رغم أن ذلك حدث في زمن الحواريين الذين عاصروا وعاشوا مع المسيح؟ إن زوجة الملك باستخراجها صليب المسيح هو بمثابة مكافأة كبيرة لرأس الحواريين بطرس ؛ الذي آمنت بالنصرانية على يديه ؛ وهو كذلك تعبير منها أمام جميع النصارى أنها مخلصة وفية لدينها الجديد الذي أقتنعت به ؛ نعم ليس هناك أي إحتمال آخر.

كما أستوقفتني تلك العبارة التي تكررت كثيرا من كل كتاب التاريخ الإسلامي " وأخرجت الخشبة التي تظن أو تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها " وهنا كل كتاب التاريخ يشيرون إلى أن النصارى كل النصارى تقول بصلب المسيح على الصليب ؛ فأين هم النصارى المتفقون مع القرآن بأن الذي صلب هو الشبيه؟ أين النصارى الذين هم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة؟ لو أن كل النصارى أنخدعوا وأنطلت عليهم تمثيلية الشبيه وأقتنعوا خطأ بأن الذي صلب هو المسيح ؛ فلماذا أرسل الله المسيح؟ أين دين النصرانية الصحيح المتفق مع القرآن بأن الذي صلب هو الشبيه؟ لو أن كل النصارى تقول بالصلب للمسيح فليس هناك دين أسمه النصرانية حسب الفكر القرآني ويصبح مجئ المسيح وعدم مجيئه واحد لا فرق بل أن عدم مجيئه كان أفضل للبشرية لأن كل النصارى الذين يقولون بصلب المسيح هم يعبدون وثن كما ستجئ بذلك أحاديث النبي لاحقا. كما يصبح حوار النبي مع النصارى هو حوار مع وهم وخيال.

 

 قال القلقشندي في صبح الأعشى : أن فلوديش قيصر وهو الخامس من القياصرة.... على عهده كتب متى الحواري إنجيله في بيت المقدس بالعبرانية، ونقله يوحنا بن زبدي إلى الرومية، وكتب بطرس رأس الحواريين إنجيله بالرومية ،وبعث به إلى بعض أكابر الروم، وهلك فلوديش قيصر لأربع عشرة سنة من ملكه.

ملك بعده ابنه نيرون قيصر وهو السادس من القياصرة، وكان غشوماً فاسقاً، فأنكر على من أخذ بدين المسيح فقتلهم، وقتل بطرس وبولس الحواريين، وقتل مرقص الأنجيلي: بطرك الإسكندرية لأثنتي عشرة سنة من ملكه.

في أيامه هدم اليهود كنيسة النصارى بالقدس، ودفنوا خشبتي الصليب بزعمهم في الزبالة.

(*) صبح الأعشى أحمد بن علي القلقشندي.

ثم يؤكد القلقشندي على ما فعله نيرون بحواري المسيح وأتباعه النصارى وقتلهم ؛ ويصف نيرون بالفسق والقسوة ؛ ويبرز ما قام به اليهود بهدم كنيسة القيامة بالقدس ؛ وكيف أنهم دفنوا صليب المسيح المكون من خشبتين الطولية والعرضية في الزبالة أو القمامة كما سيرد في بعض المراجع. وبذلك يؤكد القلقشندي على المرأة الأولى من تغييب خشبة صليب المسيح على يد اليهود. فأين النصارى الذين هم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ويتفقوا مع محمد في نفس الإله وإيمانهم بصلب شبه المسيح؟

 

يقول المقريزي في الخطط : ولما قتل الملك نيرون قيصر بطرس رأس الحواريين برومية أقيم من بعده أريوس بطرك رومية وهو أول بطرك صار على رومية فأقام في البطركية اثنتي عشرة سنة وقام من بعده البطاركة بها واحدًا بعد واحد إلى يومنا هذا الذي نحن فيه‏.‏

ولما قتل يعقوب أسقف القدس على يد اليهود هدموا بعده البيعة وأخذوا خشبة الصليب والخشبتين معها ودفنوها وألقوا على موضعها ترابًا كثيرًا فصار كومًا عظيمًا حتى أخرجتها هيلانة أم قسطنطين كما ستراه قريبًا إن شاء اللّه تعالى‏.‏

(*) الخطط المقريوية للمقريزي باب دخول قبط مصر في دين النصرانية.

 

جاء في التنبيه والإشراف للمسعودي: أن نيرون بن قلوذيوس ملك ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر، ولثلاث عشرة سنة خلت من ملكه قتل بطرس، وبولس بمدينة رومية وصلبهما منكسين وذلك بعد إيشوع باثنتين وعشرين سنة وقد أتينا على خبر بطرس بمدينة رومية مع سيمن المصري، الذي تسميه النصارى جميعاً الأريوسية الساحر وكان صحب إيشوع ثم خالفهم فيما سلف من كتبنا وفي السنة الثامنة من ملكه وثبت اليهود بأروشلم، فيما ذكرت النصارى على يعقوب بن يوسف أخي إيشوع الناصري عندهم في الجسمية، وكان أول أساقفة بيت المقدس، وألقوه على رأسه من أعلى الهيكل فمات لامتناعه من الرجوع إلى مذهبهم ومقامه على دين النصرانية ودفن إلى جانب الهيكل وهدموا البيعة وأخذوا خشبة الصليب وخشبتي اللصين فدفنوها في قبر واحد وفي أيام هذا الملك فيما قيل كان مارينوس الحكيم صاحب كتاب جغرافيا في صورة الأرض.

(*) التنبيه والإشراف للمسعودي باب  ذكر الطبقة الثالثة من ملوك الفرس الأولى.

 

 يذكر أبن خلدون في تاريخه قال: ثم جاء بعد قلوديش قيصر نيرون قيصر فقتل بطرس كبير الحواريين وبولص اللذين بعثهما عيسى صلوات الله عليه إلى رومة وجعل مكان بطرس أرنوس برومة وقتل مرقص الإنجيلي تلميذ بطرس وكان بالإسكندرية يدعو إلى الدين سبع سنين ويبعثه في نواحي مصر وبرقة والمغرب‏.‏ وقتله نيرون وولى بعده حنينيا وهو أول البطاركة عليها بعد الحواريين وثار اليهود في دولته على أسقف بيت المقدس وهو يعقوب النجار وهدموا البيعة ودفنوا الصليب إلى أن أظهرته هيلانة أم قسطنطين كما نذكره بعد‏.‏

(*) تاريخ أبن خلدون باب ابتداء أمر انظفتر أبو هيردوس

ثم يؤكد المقريزي والمسعودي وأبن خلدون على أن نيرون الطاغية عابد الأوثان قتل النصارى وخاصة حواري المسيح وعلى رأسهم بطرس ؛ كما يؤكدون على هدم اليهود لبيعة النصارى ؛ وأنتزاع خشبة صليب المسيح من يد النصارى ومن حواري المسيح وقاموا بدفنها وتغييبها في باطن الأرض ؛ فأين النصارى الذين هم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة؟  ثم يشيرون إلى الخطوة التالية في رحلة الصليب وهى أستخراج صليب المسيح على يد الملكة هيلانة. كما يشير المسعودي إلى دفن خشبتي اللصين مع خشبة صليب المسيح ؛ وهذا ما سيطلعنا عليه أبن كثير عن صليب المسيح ؛ أن ما مسه ذو مرض إلا ونال الشفاء والعافية. وأيضا لا خلاف بين من قال بدفن صليب المسيح واللصين اللذين صلبا معه وبين من ذكروا صليبا واحدا حيث أنهم ركزوا على صليب المسيح بينما من ذكروا ثلاثة صلبان أخبرونا بالموقف كاملا بصليب المسيح وصليب اللصين الذين صلبا معه.

 

يقول أبن الأثير في الكامل : ملك قسطنطين المعروف بأمّه هيلانى في جميع بلاد الروم، وكان ملكه ثلاثاً وثلاثين سنة وثلاثة أشهر، وهو الذي تنصّر من مولك الروم وقاتل عليها حتى قبلها النّاس ودانوا بها الى هذا الوقت.

وقد اختلفوا في سبب تنصّره، فقيل: إنّه كان به برص وأرادوا نزعه فأشار عليه بعض وزرائه ممن كان يكتم النصرانيّة بإحداث دين يقاتل عليه ثمّ حسن له النصرانيّة ليساعده من دان به، ففعل ذلك، فتبعه النصارى من الروم مع أصحابه وخاصّته، فقوي بهم وقهر من خالفه، وقيل: إنّه سيّر عساكر على أسماء أصنامهم، فانهزمت العساكر، وكان لهم سبعة أصنام على أسماء الكواكب السبعة، على عادة الصابئين، فقال له وزير له يكتم النصرانيّة في هذا وأزدرى بالأصنام وأشار عليه بالنصرانيّة، فأجابه، فظفر، ودام ملكه؛ وقيل غير ذلك.

ولعشرين سنة مضت من ملكه كان السنودس الأول بمدينة نيقية من بلاد الروم، ومعناه الاجتماع، فيه ألفان وثمانية وأربعون أسقفاً فاختار منهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً متّفقين غير مختلفين، فحرموا آريوس الإسكندراني الذي يضاف إليه الآريوسيّة من النصارى، ووضع شرائع النصرانيّة أن لم تكن، وكان رئيس هذا المجمع بطريق الإسكندرية.

وفي السنة السابعة من ملكه سارت أمّه هيلانى الرُّهاوية، الى البيت المقدس وأخرجت الخشبة التي تزعم النصارى أنّ المسيح صلب عليها؛ وجعلت ذلك اليوم عيداً، فهو عيد الصليب، وبنت الكنيسة المعروفة بقمامة، وتسمّى القيامة، وهي الي وقتنا هذا يحجّها أنواع النصارى، وقيل: كان مسيرها بعد ذلك لأن ابنها دان بالنصرانية في قول بعضهم بعد عشرين سنة من ملكه، وفي السنة الحادية والعشرين من ملكه طبق جميع ممالكه بالبيع هو وأمّه، منها: كنيسة حمص، وكنيسة الرّهاء، وهي من العجائب.

(*) الكامل في التاريخ لأبن الأثير. باب الطبقة الثانية من ملوك الروم المتنصّرة, ونقل أبو الفدا في تاريخ أبو الفداء نفس كلام أبن الأثير.

وهنا يطلعنا أبن الأثير على أن في السنة السابعة من ملك أبنها أستخرجت هيلانة أم الملك قسطنطين خشبة صليب المسيح وأتخذت من ذلك اليوم عيدا ؛ فهل يتخذوا عيدا يوم أكتشاف صليب الخائن البديل أو الشبيه الذي صلب بدلا من المسيح؟ ولم يجزم أبن الأثير عن سبب تنصر قسطنطين وكذلك أشارته إلى مجمع القسطنطينية وقال أنه في السنة العشرين وأدعى أبن الأثير أن شرائع النصرانية وضعت في ذلك المجمع رغم أن الصليب محور النصرانية كان قد أكتشف للمرة الثانية في السنة السابعة من ملكه أي قبل هذا المجمع بـ ثلاثة عشر سنة وتحدد يوم أكتشافه عيدا. ولا يزل السؤال الذي أبحث عنه أين هم النصارى الذين مدحهم النبي وقال لا خوف عليهم وإله محمد وإلههم واحد؟ 

 

أما أبن خلدون فيرد على أبن الأثير من أن حواري المسيح هم الذين وضعوا القوانين وهم الذين كتبوا الأناجيل فيقول :

وافترق الحواريون شيعاً " مجموعات للتبشير بالمسيح "  ودخل أكثرهم بلاد الروم داعين إلى دين النصرانية‏.‏ وكان بطرس كبيرهم فنزل برومة دار ملك القياصرة ثم كتبوا الإنجيل الذي أنزل على عيسى صلوات الله عليه في نسخ أربع على اختلاف رواياتهم‏:‏ فكتب متى إنجيله في بيت المقدس بالعبرانية ونقله يوحنا بن زيدى منهم إلى اللسان اللاطيني وكتب لوقا منهم إنجيله باللطيني إلى بعض أكابر الروم وكتب يوحنا بن زبدى منهم إنجيله برومة وكتب بطرس إنجيله باللطيني ونسبه إلى مرقاص تلميذه‏.‏ واختلفت هذه النسخ الأربع من الأنجيل مع أنها ليست كلها وحياً صرفاً بل مشوبة بكلام عيسى عليه السلام وبكلام الحواريين وكلها مواعظ وقصص والأحكام فيها قليلة جداً‏.‏ واجتمع الحواريون الرسل لذلك العهد برومة ووضعوا قوانين الملة النصرانية وصيروها بيد أقليمنطس تلميذ بطرس وكتبوا فيها عدد الكتب التي يجب قبولها والعمل بها‏.‏... ومن شريعة عيسى صلوات الله عليه المتلقاة من الحواريين نسخ الإنجيل الأربعة وكتب القتاليقون سبع رسائل وثامنها الأبريكسيس في قصص الرسل وكتاب بولس أربع عشرة رسالة وكتاب أقليمنطس وفيه الأحكام وكتاب أبو غالمسيس وفيه رؤيا يوحنا بن زبدى‏.‏

(*) تاريخ أبن خلدون الجزء الأول الفصل الثالث والثلاثون في شرح اسم البابا والبطرك في الملة النصرانية.

لقد رد أبن خلدون على أبن الأثير حول متى ومن الذي وضع أسس النصرانية؟ لكنه صفعني أنا أكثر وقضى على أخر خيوط العنكبوت التي كنت أتعلق بها ؛ فأسس النصرانية وضعت في عصر حواري المسيح ؛ والصفعة الأقوى أن ورقة التوت الأخيرة التي كنت أحاول أن أغطي بها عورات الإسلام سقطت ؛ فكنت أدخر أنجيل برنابا كورقة أخيرة لكن أبن خلدون وكل من تناول أسماء حواري المسيح وأسماء من كتبوا الأناجيل لم يذكروا عن أنجيل برنابا شيئا وأنا التي كنت أقول ربما صلب الشبيه وعدم صلب المسيح وردت في أنجيل برنابا لكن أبن خلدون أسقط من يدي أخر ورقة توت. نعم فقدت الأمل في أن أجد أثرا للنصارى الذين هم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ؛ لكنني سأستمر في بحثي.

 

ويضيف لنا أبن خلدون تفاصيل أكثر فيقول : قال ابن الراهب‏:‏ أن اسكندروس البطرك ولى أول سنة من ملك قسطنطين فمكث اثنتين وعشرين سنة وعلى عهده جاءت هلانة أم قسطنطين لزيارة بيت المقدس وبنت الكنائس وسالت عن موضع الصليب ؛ فاخبرها مقاريوس الأسقف أن اليهود أهالوا عليه التراب والزبل‏.‏ فأحضرت الكهنوتية وسألتهم عن موضع الصليب وسألتهم رفع ما هنالك من الزبل‏.‏ ثم استخرجت ثلاثة من الخشب وسالت أيتها خشبة المسيح فقال لها الأسقف:‏ علامتها أن الميت يحيا بمسيسها فصدقت ذلك بتجربتها " أي أنها وضعت صليب على ميت فقام" واتخذوا ذلك اليوم عيداً لوجود الصليب‏.‏ وبنت على الموضع كنيسة القمامة وأمرت مقاريوس الأسقف ببناء الكنائس وكان ذلك لثلاثمائة وثمان.

(*) تاريخ ابن خلدون الجزء الأول باب الخبر عن القياصرة المتنصرة من اللطينيين وهم الكيتم واستفحال ملكهم بقسطنطينية ثم بالشام بعدها إلى حين الفتح الإسلامي ثم بعده إلى انقراض أمرهم.

وهنا تسمرت أمام ما حكاه أبن خلدون من أن الميت قام من الموت بعد أن تلامس مع الصليب ؛ فهل هو صليب الخائن شبه المسيح أم هو صليب المسيح؟ أي ضلالة يسمح بها الله لو كان هذا الصليب صليب الخائن الذي أقام ميتا؟ نعم إن الذي يفعل ذلك لابد أن يطلق عليه الإله المضل الذي يضل من يشاء وليس هذه الضلالة أقل من ضلالة أن يلقي بشبه المسيح على رجل أخر لكي يضل به حواري المسيح وشهود العيان والنصارى لفترة ستة قرون ؛ لكن لازلت أحاول تتبع آثار النصارى الذين ينكرون صلب المسيح ويكفرون من يقول به ويؤمنون بصلب شبيه المسيح؟ أتتبع أثر النصارى الذين هم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.

 

أما المقريزي فيسهب في الخير فقال في الخطط :‏ وقسطنطين قيصر وهو أول من ثبت دين النصرانية وأمر بقطع الأوثان وهدم هياكلها وبنيان البيع وآمن من الملوك بالمسيح وكانت أمه هيلانة من مدينة الرها ... وكان في أول أمره على دين المجوس شديدًا على النصارى ماقتًا لدينهم وكان سبب رجوعه عن ذلك إلى دين النصرانية أنه ابتلي بجذام ... فجمع الحذاق من الأطباء فاتفقوا على أدوية دبروها له وأوجبوا أن يستنقع بعد أخذ تلك الأدوية في صهريج مملوء من دماء أطفال رضع ساعة يسيل منهم فتقدم أمره بجمع جملة من أطفال الناس وأمر بذبحهم في صهريج ليستنقع في دمائهم وهي طرية فجمعت الأطفال لذلك وبرز ليمضي فيهم ما تقدم به من ذبحهم فسمع ضجيج النساء اللاتي أخذ أولادهن فرحمهن وأمر بدفع لكل واحدة ابنها وقال‏:‏ احتمال علتي أولى بي وأوجب من هلاك هذه العدة العظيمة من البشر فانصرف النساء بأولادهن وقد سررن سرورًا كثيرًا فلما صار من الليل إلى مضجعه رأى في منامه شيخًا يقول له‏:‏ إنك رحمت الأطفال وأمهاتهم ورأيت احتمال علتك أولى من ذبحهم فقد رحمك الله ووهبك السلامة من علتك فابعث إلى رجل من أهل الإيمان يدعى‏:‏ شلبشقر قد فر خوفًا منك وقف عندما يأمرك به والتزم ما يخصك عليه تتم لك العافية فانتبه مذعورًا بعث في طلب شلبشقر الأسقف فأتي به إليه وهو يظن أنه يريد قتله لما عهده من غلظته على النصارى ومقته لدينهم فعندما رآه تلقاه بالبشر وأعلمه بما رآه في منامه قفص عليه دين النصرانية وكانت له معه أخبار طويلة مذكورة عندهم فبعث قسطنطين في جمع الأساقفة المنفيين والمسيرين والتزام دين النصرانية وشفاه الله من الجذام فأيد الديانة أعلن بالإيمان بدين المسيح وبينا هو في ذلك إذ توقع وثوب أهل رومة عليه وإيقاعهم به فخرج عنها وبنى مدينة قسطنطينية بنيانًا جليلا فعرفت به وسكنها فصارت موضع تخت الملك من عهده وقد كان النصارى من لدن زمان نيرون الملك الذي قتل الحواريين ومن بعده ممن ملك رومة في كل وقت يقتلون ويحبسون ويشردون بالنفي وفلما سكن قسطنطين مدينة قسطنطينية جمع إلى نفسه أهل المسيح وقوى وجوههم وأذل عباد الأوثان فشق ذلك على أهل رومة وخلعوا طاعته وقدموا عليهم ملكًا فأهمه ذلك ومرت له معهم عدة أخبار مذكورة في تاريخ رومة ثم إنه خرج من قسطنطينية يريد رومة وقد استعدوا لحربه فلما قاربهم أذعنوا له والتزموا طاعته فدخلها فأقام إلى أن رجع لحرب الفرس وخرج إليهم فقهرهم ودانت له أكثر ممالك الدنيا فلما كان في عشرين منة من دولته خرجت الفرس على بعض أطرافه فغزاهم وأخرجهم عن بلاده ورأى في منامه كأن بنودًا شبه الصليب قد رفعت وقائلا يقول له‏:‏ إن أردت أن تظفر بمن خالفك فاجعل هذه العلامات على جميع بركك وسكك فلما انتبه أمر بتجهيز أمه هيلانة إلى بيت المقدس في طلب آثار المسيح عليه السلام وبناء الكنائس وإقامة شعائر النصرانية فسارت إلى بيت المقدس وبنت الكنائس فيقال‏:‏ إن الأسقف مقاريوس دلها على الخشبة التي زعموا أن المسيح صلب عليها وقد قص عليها ما عمل به اليهود فحفرت فإذا قبر وثلاث خشبات على شكل الصليب فزعموا أنهم ألقوا الثلاث خشبات على ميت واحدة بعد واحدة فقام حيًا عندما وضعت عليه الخشبة الثالثة منها فاتخذوا ذلك اليوم عيدًا وسموه‏:‏ عيد الصليب وكان في اليوم الرابع عشر من أيلول والسابع عشر من توت وذلك بعد ولادة المسيح بثلثمائة وثمان وعشرين سنة وجعلت هيلانة لخشبات الصليب غلافًا من ذهب وبنت كنيسة القيامة ببيت المقدس على قبر المسيح بزعمهم وكانت لها مع اليهود أخبار كثيرة قد ذكرت عندهم ثم انصرفت بالصليب معها إلى ابنها وما زال قسطنطين على ممالك الروم إلى أن مات بعد أربع وعشرين سنة من ولايته فقام من بعده بممالك الروم ابنه قسطنطين الأصغر وقد كان لعيد الصليب بمصر موسم عظيم

(*) الخطط المقريزية للمقريزي باب الجزء الثاني ذكر قسطنطين.

وهنا يؤكد المقريزي على خبر عودة الميت إلى الحياة عندما ألقوا عليه خشبة صليب المسيح ؛ وكل هذا حدث قبل الإسلام بأكثر من الثلاثة قرون ؛ كما أن المقريزي يلقي لنا بعدا جديدا ؛ فنصارى مصر أيضا لهم عيدا للصليب عظيم قبل الإسلام ؛ فأين هم النصارى الذين قال فيهم النبي ما لم يقله مالك في الخمر؟ نعم نصارى المشرق والمغرب قبل الإسلام بـ ثلاثة قرون تحتفل بعيد الصليب ؛ صليب المسيح ؛ فمن هم النصارى الذين قاوموا هذا الإحتفال؟ لم يسرد لنا المؤرخون غير اليهود وعابدي الأصنام فقط هم من وقفوا موقف العداء من الصليب وأتباع الصليب فهل كان النبي محمد واحدا منهم؟.

 

أما أبن كثير في البداية والنهاية فيضيف لنا بعدا جديدا فيقول : وقد روى الضحاك عن ابن عباس‏:‏ أن عيسى لما رفع إلى السماء، جاءته سحابة فدنت منه حتى جلس عليها، وجاءته مريم فودعته وبكت، ثم رفع وهي تنظر، وألقى إليها عيسى برداً له وقال‏:‏ هذا علامة ما بيني وبينك يوم القيامة، وألقى عمامته على شمعون‏.‏

وجعلت أمه تودعه بإصبعها تشير بها إليه حتى غاب عنها، وكانت تحبه حباً شديداً لانه توفر عليها حبه من جهتي الوالدين، إذ لا أب له، وكانت لا تفارقه سفراً ولا حضراً‏.‏ قال بعض الشعراء‏:‏

وكنت أرى كالموت من بين ساعة      فكيف ببين كان موعده الحشر

وذكر إسحاق بن بشر، عن مجاهد بن جبير‏:‏ أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل الذي شبه لهم، وهم يحسبونه المسيح، وسلم لهم اكثر النصارى بجهلهم ذلك، تسلطوا على أصحابه بالقتل والضرب والحبس، فبلغ أمرهم إلى صاحب الروم وهو ملك دمشق في ذلك الزمان، فقيل له‏:‏

أن اليهود قد تسلطوا على أصحاب رجل كان يذكر لهم انه رسول الله، وكان يحيي الموتى، ويبرئ ألاكمه والأبرص، ويفعل العجائب فعدوا عليه فقتلوه، وأهانوا أصحابه وحبسوهم، فبعث فجيء بهم، وفيهم يحيى بن زكريا "!!" ، وشمعون، وجماعة فسألهم عن أمر المسيح فاخبروه عنه، فبايعهم في دينهم، وأعلى كلمتهم، وظهر الحق على اليهود، وعلت كلمة النصارى عليهم‏.‏

وبعث إلى المصلوب فوضع عن جذعه، وجيء بالجذع الذي صلب عليه ذلك الرجل فعظمه، فمن ثم عظمت النصارى الصليب، ومن هاهنا دخل دين النصرانية في الروم، وفي هذا نظر من وجوه‏:‏

أحدها:‏ أن يحيى بن زكريا نبي لا يقر على أن المصلوب عيسى فانه معصوم، يعلم ما وقع على جهة الحق‏.‏ " تأملوا جهل أبن كثير "

الثاني‏:‏ أن الروم لم يدخلوا في دين المسيح إلا بعد ثلاثمائة سنة، وذلك في زمان قسطنطين بن قسطن باني المدينة المنسوبة إليه، على ما سنذكره‏.‏

الثالث‏:‏ أن اليهود لما صلبوا ذلك الرجل ثم القوه بخشبته، جعلوا مكانه مطرحاً للقمامة والنجاسة، وجيف الميتات والقاذورات، فلم يزل كذلك حتى كان في زمان قسطنطين المذكور، فعمدت أمه هيلانة الحرانية الفندقانية فاستخرجته من هنالك معتقدة انه المسيح، ووجدوا الخشبة التي صلب عليها المصلوب، فذكروا انه ما مسها ذو عاهة إلا عوفي. فالله أعلم أكان هذا أملاً ، وهل كان هذا لأن ذلك الرجل الذي بذل نفسه كان رجلاً صالحاً أو كان هذا محنة وفتنة لأمة النصارى في ذلك اليوم ، حتى عظموا تلك الخشبة وغشوها بالذهب والآلىء ، ومن ثم اتخذوا الصلبانات وتبركوا بشكلها وقبلوها ، وأمرت أم الملك هيلانة فأزيلت تلك القمامة وبني مكانها كنيسة هائلة مزخرفة بأنواع الزينة ، فهي هذه المشهورة اليوم ببلد بيت المقدس التي يقال لها القمامة باعتبار ما كان عندها ، ويسمونها القيامة يعنون التي يقوم جسد المسيح منها. ثم أمرت هيلانة بأن توضع قمامة البلد وكناسته وقاذوراته على الصخرة التي هي قبلة اليهود فلم تزل كذلك حتى فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس ، فكنس عنها القمامة بردائه وطهرها من الأخباث والأنجاس ، ولم يضع المسجد وراءها ولكن أمامها حيث صلى رسول الله صلعم ليلة الإسراء بالأنبياء وهو المسجد الأقصى

(*) البداية والنهاية لأبن كثير ذكر رفع عيسى عليه السلام إلى السماء في حفظ الرب وبيان كذب اليهود والنصارى في دعوى الصلب.

وكعادة أبن عباس ترجمان القرآن وحبر الأمة الذي يتحفني دائما بأحاديثه التي لا تخلوا من البهار القرشي لكن ما أثار دهشتي أكثر هو العلامة الحافظ أبن كثير الذي يحاول أن ينكر صلب المسيح فيقول النصارى جميعهم منذ حادثة الصلب وهم يعظمون الصليب ؛ فأين هم النصارى الذين مدحهم محمد؟ ؛ لكن هل وجد أبن كثير عبر التاريخ النصارى الذي يشاركون محمد نفس الإيمان بأن المسيح لم يصلب بل الذي صلب هو شبه المسيح؟ ثم يقول أبن كثير أن هيلانة أم قسطنطين كانت تعتقد أن الصليب هو صليب المسيح لكنه يضيف " فذكروا أنه ما مسها ذو عاهة إلا عوفي " فترى هل صليب الخائن شبه المسيح هو الذي يشفي أصحاب العاهات عندما يمسون صليب الخائن؟ لكن أبن كثير لم ينكر أن هناك صليب دفنه اليهود وجعلوا مكانه مطرحا للقمامة وكأن اليهود هم النصارى الحقيقين الذين ينكرون الصليب ويحقرونه حتى أنهم جعلوه مقلبا للقمامة!!

ويضيف الإمام أبن كثير أن الملكة هيلانة ردت على اليهود ما فعلوه بالصليب بأن جعلت قبلة اليهود وهى الصخرة مقلبا للقمامة ؛ حتى جاء عمر أبن الخطاب وأزاح القمامة عن صخرة اليهود وأتخذها مسجدا للمسلمين " وهى مكان المسجد الأقصى " دلالة على جذور عمر اليهودية حيث أنه كان تلميذا في مدراس اليهود وكان لديه نسخة من كتب اليهود كما تخبرنا بذلك الأحاديث ؛ أو ربما رجع بذاكرته لأيام النبي صلعم الذي كان يصلي إلى تلك الصخرة قبلة اليهود كل فترة بقائه بمكة وبعض سنوات من فترته بالمدينة إلى أن بدأ يدير ظهره لليهود ؛ لكن الداهية الأكبر أن الحرب التي راح ضحيتها مئات الآلاف من خيرة شبابنا من أجل الأقصى هى حرب من أجل صخرة هى قبلة اليهود لا حق لنا فيها!!

ويذكر القلقشندي في صبح الأعشى فيقول : عيد الصليب وهو في السابع عشر من توت من شهور القبط والنصارى يقولون أن قسطنطين بن هيلاني انتقل عن اعتقاد اليونان إلى اعتقاد النصرانية وبنى كنيسة قسطنطينة العظمى وسائر كنائس الشام ويزعمون أن سبب ذلك انه كان مجاوراً للبرجان فضاق بهم ذرعاً من كثرة غاراتهم على بلاده فهم أن يصانعهم ويفرض لهم عليه إتاوة في كل عام ليكفوا عنه فرأى ليلة في المنام أن ملائكة نزلت من السماء ومعها أعلام عليها صلبان فحاربت البرجان فانهزموا فلما اصبح عمل أعلاما وصور فيها صلباناً ثم قاتل بها البرجان فهزمهم فسال من كان في بلده من التجار هل يعرفون فيما طافوه من البلاد ديناً هذا زيه " يعني ملابسهم بها صلبان "  فقالوا له‏:‏ دين النصرانية وانه في بلد القدس والخليل من ارض الشام‏.‏

فأمر أهل مملكته بالرجوع عن دينهم إليه وان يقصوا شعورهم ويحلقوا لحاهم‏.‏

وانما فعل ذلك لانهم يزعمون أن رسل عيسى عليه السلام كانوا قد وردوا على اليونان قبل يأمرونهم بالتعبد بدين النصرانية فأعرضوا عنهم ومثلوا بهم هذه المثلة نكالاً لهم ففعلوا ذلك تأسيا بهم‏.‏

ولما تنصر قسطنطين خرجت أمه هيلانة إلى الشام فبنت به الكنائس وسارت إلى بيت المقدس وطلبت الخشبة التي زعمت النصارى أن المسيح صلب عليها فحملت إليها فغشتها بالذهب واتخذت ذلك اليوم عيداً‏.‏

(*) صبح الأعشى أحمد بن علي القلقشندي الجزء الأول الفصل الثالث من الباب الأول من المقالة الأولى في معرفة الأزمنة والأوقات من الأيام والشهور والسنين على اختلاف الأمم فيها‏.‏

 

ذكر المسعودي في مروج الذهب : ملك قسطنطين بعد أن هلك قليطانس برومية، وهو يعبد الأوثان، وكان أول ملك انتقل من ملوك الروم عن رومية إلى بوزنطيا، وهي مدينة القسطنطينية فبناها، وسماها باسمه إلى وقتنا هذا، خروج من رومية، ودخل في دين النصرانية، لسنة خلت من ملكه، ولتسع سنين خلت من ملكه خرجت أمه هلاني إلى أرض الشام، فبنت الكنائس، وسارت إلى بيت المقدس، وطلبت الخشبة التي صلب عليها المسيح عندهم، فلما صارت إليها حًفتها بالذهب والفضة، واتخذت لوجودها عيداً، وهو عيد الصليب، وهو لأربع عشرة تخلو من أيلول، ... وهي التي بنت كنيسة حمص على أربعة أركان، وذلك من عجائب بنيان العالم، واستخرجت الكنوز والدفائن بمصر والشام، وصرفت ذلك إلى بناء الكنائس، وتشييد دين النصرانية، وكل كنيسة بالشام ومصر وبلاد الروم، فإنها بنتها هذه الملكة هلاني أم قسطنطين، وجعل اسمها مع الصليب في كل كنيسة لها.

(*) مروج الذهب للمسعودي باب ذكر ملوك الروم المتنصرة وهم ملوك القسطنطينية ولمع من أخبارهم  باب قسطنطين وبناء القسطنطينية.

وهنا يشير المسعودي إلى أن كل كنائس الشام مهد النصرانية ومصر كانت تعلى الصليب وأسم الملكة هيلاني أم الملك قسطنطين كل ذلك قبل محمد والإسلام بـ ثلاثة قرون ؛ فأين هم نصارى القرآن المتوحدون مع محمد في نفس الإله ولهم نفس موقف القرآن بأن المصلوب هو شبه المسيح وأن الصليب وثن وصنم؟.

 

قال القلقسندي في صبح الأعشى : واعلم أن النصارى بجملتهم مجمعون على أن مريم حملت بالمسيح عليه السلام وولدته ببيت لحم من بلاد القدس من الشام وتكلم بالمهد وإن اليهود حين أنكروا على مريم عليها السلام ذلك فرت بالمسيح عليه السلام إلى مصر ثم عادت به إلى الشام وعمره اثنتا عشرة سنة فنزلت به القرية المسماة ناصرة المقدم ذكرها وأنه في آخر أمره قبض عليه اليهود وسعوا به إلى عامل قيصر ملك الروم على الشام فقتله وصلبه يوم الجمعة وأقام على الخشبة ثلاث ساعات ثم استوهبه رجل من أقارب مريم اسمه يوسف النجار من عامل قيصر ودفنه في قبر كان أعده لنفسه في مكان الكنيسة المعروفة الآن بالقمامة بالقدس وأنه مكث في قبره ليلة السبت ونهار السبت وليلة الأحد ثم قام من صبيحة يوم الأحد ثم رآه بطرس الحواري وأوصى إليه.

واعلم أن النصارى مجمعون على أن الله تعالى واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنومية ويفسرون الجوهر بالذات والأقنومية بالصفات‏:‏ كالوجود والعلم والحياة ويعبرون عن الذات مع الحياة بروح القدس ويعبرون عن الإله باللاهوت وعن الإنسان بالناسوت ويطلقون العلم على الكلمة التي ألقيت إلى مريم عليها السلام فحملت منها بالمسيح عليه السلام ويخصونه بالاتحاد دون غيره من الأقانيم‏.‏

واجتمع منهم ثلثمائة وثمانية عشر وقيل وسبعة عشر أسقفاً من أساقفتهم بمدينة نيقية من بلاد الروم بحضرة قسطنطين ملك الروم عند ظهور أريوس الأسقف وقوله‏:‏ إن المسيح مخلوق وإن القديم هو الله تعالى وألفوا عقيدة استخرجوها من أناجيلهم لقبوها بالأمانة من خرج عنها خرج عن دين النصرانية ونصها على ما ذكره الشهرستاني في ‏"‏ النحل والملل ‏"‏ وابن العميد مؤرخ النصارى في تاريخه ما صورته‏:‏ ‏"‏ نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء وصانع ما يرى وما لا يرى وبالابن الواحد أيشوع المسيح ابن الله بكر الخلائق كلها وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وكل شيء الذي من أجلنا ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد بروح القدس وولد من مريم البتول وصلب أيام فيلاطوس ودفن ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء‏.‏

(*) صبح الأعشى للقلقشندي باب الفصل الثاني من الباب الثاني من المقالة الثامنة في نسخ الايمان المتعلقة بالملوك الملة الثالثة.

وهنا يجمل القلقشندي إيمان النصارى كل النصارى ويشير إلى مجمع نيقيقة الذي عقده النصارى للرد على المنحرف آريوس صاحب البدعة وكان ذلك سنة  325 أي قبل الإسلام بثلاثة قرون ولقد أصابني القلقشندي باليأس أن أجد أثرا للنصارى الذين مدحهم القرآن والذين يتوحدون مع محمد في نفس الإله ونفس الإيمان بأن المسيح لم يصلب بل الذي صلب هو شبه المسيح ؛ يأست أن أجد أثرا للنصارى الذين هم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة.  وسبب يأسي أنه كرر تلك الجملة مرتين " وأعلم أن النصارى بجملتهم مجمعون" وهو ربما أوضح ما أختلط على أبن الأثير ويصادق على ما رد به عليه أبن خلدون ؛ ففي مجمع نيقية ردوا على المنشق المبتدع آريوس ولم يضعوا أسس النصرانية تلك الأسس التي وضعها تلاميذ المسيح حسب قول أبن خلدون.

ومع دخول الملك قسطنطين دين النصرانية بدأت حقبة جديدة لأمبروطوية الروم حيث أصبح دين الأمبروطورية الرسمي النصرانية وأصبح الصليب لها علما ورمزا وراية يقاتل الروم من أجله وفي المقابل كانت هناك الأمبروطورية الفارسية الساسانية المجوسية وأحتدم الصراع بين الأمبروطوريتين وكان محور الصراع الصليب في كثير من المعارك التي نشبت بينهما فموقف المجوس عبدة النيران موقف العداء من الصليب وكانوا يستولون عليه كرمزا لإخضاع أهل الكتاب من النصارى ويغيبونه وعندما كانت تقوى أمبروطورية الروم تشن الحروب لأسترداد صليب الصلبوت من يد الفرس المجوس عبدة النيران وكان موقف العرب منقسم بين الأمبروطوريتين فالقبائل النصرانية المتحالفة مع الروم كانت تسعد وتفرح لأنتصار الروم وأسترداد صليب الصلبوت أو الصليب الأعظم أما من كان من العرب مرتبط بالفرس فكانوا يسعدوا بإستيلاء الفرس المجوس على الصليب فكان موقف العرب يتوقف أحيانا على المعتقد الديني وأحيانا على المصالح وخاصة المصالح المادية والتجارية وأستمر الحال هكذا حتى ظهر الإسلام الذي أظهرموقفين متناقضين من الصليب ففرح تارة بنصر الروم وعودة صليب الصلبوت ثم أستدار ونسخ موقفه وأظهر نفس القدر من عداء الفرس المجوس للأمبروطورية الرومانية النصرانية وللصليب وربما أكثر ؛ كما سيرد لاحقا ؛ ولا يثتثنى من تلك الحالة إلا فترة قصيرة وهى الفترة التي أسميتها فترة النفاق المحمدى ؛ إلى أن هاجم العرب والمسلمين أمبروطورية الروم وهدموها وحلوا محلها في إحتلال البلاد التي كانت تحتلها تلك الأمبراطورية ؛ ويشير أبن سعد إلى بداية الأنقلاب الرسمي على النصرانية في عصر محمد وهى لا تبعد كثيرا على تأييد محمد لتلك النصرانية وفرحه لإنتصارها على الفرس وإستردادها لـ صليب الصلبوت.

 

ذكر أبن سعد في طبقاته الكبرى : أن رسول الله صلعم بعث دحية بن خليفة الكلبي وهو أحد الستة إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وكتب معه كتابا وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر فدفعه عظيم بصرى إليه وهو يومئذ بحمص وقيصر يومئذ ماش في نذر كان عليه ان ظهرت الروم على فارس أن يمشي حافيا من قسطنطينية إلى إيلياء فقرأ الكتاب وأذن لعظماء الروم في دسكرة له بحمص فقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد وأن يثبت لكم ملككم وتتبعون ما قال عيسى بن مريم قالت الروم وما ذاك أيها الملك قال تتبعون هذا النبي العربي قال فحاصوا حيصة حمر الوحش وتناحزوا ورفعوا الصليب فلما رأى هرقل ذلك منهم يئس من إسلامهم وخافهم على نفسه وملكه فسكنهم ثم قال إنما قلت لكم ما قلت أختبركم لأنظر كيف صلابتكم في دينكم.

(*) الطبقات الكبرى ذكر بعثة رسول الله الرسل بكتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وما كتب به رسول الله صلعم لناس من العرب وغيرهم.

تلك الرسائل كانت في السنة السادسة للهجرة ؛ وأعقبها أول هجوم للنبي على الروم ؛ وكان ذلك في السنة الثامنة للهجرة ؛ وهى غزوة مؤتة ؛ ثم تلاها بغزوة تبوك في السنة التاسعة أما فترة النفاق المحمدي التي بلغت ذروتها عند السنة الثانية للهجرة التي فرح بها محمد وكل المسلمين بنصر الروم وإسترداد صليب الصلبوت. ثم بدأت السنة الثانية عشر للهجرة وبدأت معها غزوات خالد أبن الوليد لنصارى العرب والشام والروم وفرض الجزية على أهل الكتاب من النصارى أو ضرب اعناقهم لو أمتنعوا عن الإسلام أو الجزية.

وهنا سأورد بعضا من المقاطع من فتوح الشام للواقدي للدلالة على تمسك الروم ونصارى العرب بصليب المسيح من ناحية ومن الناحية الأخرى عداء المسلمين للصليب بنفس القدر الذي أظهرته أمبروطورية الفرس المجوسية للصليب.

قال الواقدي قال شرحبيل بن حسنة‏:‏ رأيت يوم حصار دمشق رجلا على باب توما يحمل الصليب وهو أمام توما وهو يشير إليه اللهم انصر هذا الصليب ومن لاذ به اللهم أظهر له نصرته وأعل درجته قال شرحبيل بن حسنة‏:‏ وأنا دائمًا أنظر إليه إذ رمته زوجة أبان بنبلة فلم تخطئ رميتها وإذا بالصليب قد سقط من يده وهوى إلينا وكأني أنظر لمعان الجوهر من جوانبه فما فينا إلا من بادر إليه ليأخذه ... ونظر عدو الله توما إلى ذلك من تنكس الصليب الأعظم وإهوائه إلى المسلمين فعند ذلك كفر وعظم عليه الأمر وقال‏:‏ يبلغ الملك أن الصليب الأعظم أخذ مني وملكته العرب لا كان ذلك أبدًا ... هذا والمسلمون محيطون بالصليب فلما خرج الروم ووقع صياحهم حذر الناس بعضهم بعضًا فلما نظر المسلمون إلى الروم سلموا الصليب إلى شرحبيل بن حسنة وانفردوا لأعدائهم ... قال فحمل الناس حملة منكرة واختلط الناس بعضهم ببعض وعملت بينهم السيوف وتراموا بالنبل وتسامع أهل دمشق أن توما خرج إلى العرب من بابه وأن صليبه الأعظم سقط إليهم من كف حامله فجعلوا يهرعون إلى أن تزايد أمرهم وجعل عدو الله ينظر يمينًا وشمالا وينظر الصليب فحانت منه التفاتة فنظر فرآه مع شرحبيل بن حسنة فلما نظر إليه لم يكن له صبر دون أن حمل وصاح‏:‏ هات الصليب لا أثم لك فقد لحقتك بوائقه‏.‏

قال‏:‏ ونظر شرحبيل بن حسنة إلى عدو الله وهو مقبل فرمى الصليب من يده وصادمه‏.‏... قال فتراجع الناس إلى مواضعهم وقد قتلوا من الروم مقتلة عظيمة وأخذوا أسلابهم وأموالهم وصليبهم ... فغضب توما من قولهم وقال‏:‏ يا ويلكم يؤخذ الصليب الأعظم وأصاب بعيني وأغفل عن هذا ويبلغ الملك عني ذلك فينسبني للوهن والعجز ولا بد من طلبهم على كل حال وآخذ صليبي ... فلما سمع خالد ذلك الخبر حمد الله وقال‏:‏ كيف أخذتم الصليب من الروم‏.‏ ... ووصل الخبر إلى أبي عبيدة بما نزل بشرحبيل بن حسنة من توما وبما غنم من صليبه فسر بذلك ...

(*) فتوح الشام للواقدي باب معركة أجنادين.

لقد فرح أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن والوليد وكل المسلمون بأنتزاع الصليب من يد الروم وهو نفس فرح الفرس المجوس وكذلك قاتل النصارى وبزلوا أرواحهم من أجل الصليب ؛ فترى هل هو صليب الخائن أو شبيه المسيح؟ أين هم النصارى الذين قال عنهم محمد أن لا خوف عليهم وأنهم يتوحدون مع محمد في نفس الإيمان ونفس الإله؟

 ثم توالت الجيوش على الروم والوقائع التي لا مجال لذكرها لكن كانت أخر الأخبار التي وردت عن الصراع على صليب الصلبوت بين المسلمين والنصارى ما ذكرته كتب التاريخ كما يلي:

قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : " في عصر المعتمد على الله أبو العباس من أحفاد الرشيد من 256هـ ـ 279هـ " قال وفي سنة 266 أقبلت الروم إلى ديار ربيعة وقتلوا وسبوا وهرب أهل الجزيرة ..... نازلت الروم في مائة ألف طرسوس فبيتهم يازمان الخادم فقيل: قتل منهم سبعون ألفاً وقتل ملكهم وأخذ منهم صليب الصلبوت.

(*) سير أعلام النبلاء للذهبي. الكامل في التاريخ لأبن الأثير باب ذكر الظفر بالروم. تاريخ الطبري باب ذكر خبر استئمان درمويه الزنجي إلى أبي أحمد.

وهنا يطلعنا الذهبي على إحدى الوقائع التي دارت بين مملكة الروم وبين الخلافة الإسلامية في عصر المعتمد فأغارت الروم من الشمال في محاولة لإسترداد ملكها الضائع على دولة الخلافة ؛ وأنهزم الروم وفقدوا صليب الصلبوت وتوالت الحروب بين المملكتين الإسلامية ومملكة الروم وكان صليب الصلبوت من أهم محاورها ؛ ثم توالت الحروب والتي تارة يسترد الروم خشبة الصليب وتارة يفقدونها مثل ما حدث بين الروم ومملكة فارس عابدي النار إلى أن جاءت معركة حطين في عهد صلاح الدين.

 

قال المقريزي في السلوك لمعرفة دول الملوك : خرج العادل من القاهرة في سابع المحرم وعادا إلى الكرك فنازلاها في ربيع الأول وضايق السلطان " صلاح الدين " أهلها ثم رحل عنها ونازل طبرية فاجتمع من الفرنج نحو الخمسين ألفا بأرض عكا ورفعوا صليب الصلبوت فافتتح السلطان طبرية عنوة في ثالث عشري ربيع الآخر وغاظ ذلك الفرنج وتجمعوا فسار إليهم السلطان وكانت وقعة حطين التي نصر الله فيها دينه في يوم السبت رابع عشريه‏.‏

وانهزم الفرنج بعد عدة وقائع وأخذ المسلمون صليب الصلبوت وأسروا الإبرنس أرناط صاحب الكرك والشوبك وعدة ملوك آخرين وقتل وأسر من سائر الفرنج ما لا يعد كثرة‏.‏

(*) السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي باب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. بلوغ الآرب في فنون الأدب للإمام النويري باب استيلاء الفرنج على عكا.

 

قال الصفدي بأكثر تفصيل عن وقعة حطين : كانت وقعة حطين سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة .... صعد الفرنج إلى تل حطين وأضرم المسلمون حولهم النار فهلكوا وتساقطوا من التل .. وعملت سيوف المسلمين في الفرنج قتلاً وأسر من الملوك كي وأخوه جفري وأبرنس الكرك والهنفري وصاحب جبيل وبيروت وصيدا ومقدم الداوية والأسبتار وغيرهم، وجيء إلى السلطان " صلاح الدين" بصليب الصلبوت وهو مرصع بالجواهر واليواقيت في غلاف من ذهب. ولما سيق الملوك أسرى إلى بين يدي السلطان نزل وسجد وباس الأرض شكراً، وجاء إلى خيمة واستدعاهم فأجلس الملوك عن يمينه وأبرنس الكرك إلى جانبه، ونظر السلطان إلى الملك وهو يلتفت يتلهب عطشاً فأمر له بقدح من ثلج وماء فشربه وسقى الأبرنس فقال له السلطان: ما أذنت لك في سقيه، وكان قد نذر أن يقتله بيده فقال له: يا ملعون يا غدار حلفت وغدرت ونكثت، وجعل يعدد عليه غدراته ثم قام إليه فضربه بالسيف فحل كتفه وتممه المماليك فقطعوا رأسه وأطعموا جثته للكلاب،.. ثم إن السلطان " صلاح الدين " عرض الإسلام على الداوية والاسبتار فمن أسلم منهم استبقاه ومن لم يسلم قتله فقتل خلقاً عظيماً وبعث بباقي الملوك والأسارى إلى دمشق وذلك سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة.

(*) الوافي بالوفيات لـ الصفدي.  زبدة الحلب في تاريخ حلب لابن العديم.        

ناهيك عن الدرس العظيم الذي قدمه البطل صلاح الدين في كيفية معاملة الأسرى بإطعام جثثهم للكلاب أو يدخلوا دين الإسلام أو تقطع أعناقهم وتضرب رقابهم إلا أن الصفدي يؤكد على ما ذكره المقريزي من أن صليب الصلبوت كان بيد النصارى لمدة 12 قرن بعد المسيح.

ويؤكد أبن الأثير في الكامل في التاريخ على ما ذكره الصفدي والمقريزي : أنهزم الفرنج في موقعة حطين وأخذ المسلمون منهم  صليبهم الأعظم الذي يسمونه صليب الصلبوت ويذكرون أن فيه قطعة من الخشبة التي صلب عليها المسيح عليه السلام بزعمهم فكان أخذه عندهم من أعظم المصائب عليهم وأيقنوا بعده بالقتل والهلاك‏.‏

(*) الكامل في التاريخ لـ أبن الأثير باب ذكر انهزام الفرنج بحطين.

أما كلام أبن الأثير فهو يؤكد منزلة صليب الصلبوت عند النصارى  منذ زمن الحواريين  بأن فقدان الصليب من أيديهم يعد من أعظم المصائب وإسترداده هو بالنسبة لهم نصر الله وهذا يفسر لنا تلك الحروب الطاحنة التي وقعت بين مملكة الفرس ومملكة الروم على صليب الصلبوت.   

 

قال أبن كثير في البداية والنهاية : لما استقر الملك الأفضل بن صلاح الدين مكان أبيه بدمشق، بعث بهدايا سنية إلى باب الخليفة الناصر " الخليفة العباسي" ، من ذلك سلاح أبيه " صلاح الدين " وحصانه الذي كان يحضر عليه الغزوات. ومنها صليب الصلبوت الذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حطين، وفيه من الذهب ما ينيف على عشرين رطلاً مرصعاً بالجواهر النفيسة، وأربع جواري من بنات ملوك الفرنج.

(*) البداية والنهاية لأبن كثير سنة تسعين وخمسمائة. السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزي باب سنة خمس وثمانين وخمسمائة.

ثم أصبح صليب الصلبوت في يد المسلمين من بين الهدايا والجواري اللاتي يتبادلها خلفاء المسلمين ثم بعد تلك الوقعة بدأ التضارب عن مسيرة الصليب بين ضياعه وتلفه بعد هذه الوقعة وبين أن الروم أستردوه بالتفاوض وأستقر في أحد الكنائس بالقسطنطينية قبل أن يحتلها الأتراك وبين من يقول أنه أستقر في أحدى الكنائس بفرنسا والبعض قال أنها تقطعت إلى قطع ووزعت على كنائس عديدة ومنها إحدى الكنائس بدمياط بمصر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

       عرب الجاهلية والصليب  

كان لجغرافية جزيرة العرب دور كبير في دخول النصرانية إليها في عصر مبكر يصل إلى عصر حواري المسيج كنتيجة لجوارها الجغرافي لمهد النصرانية كما كان لحدودها مع الشام شمالا والحبشة جنوبا دورا كبيرا في أنتشار النصرانية وتغلغلها في شمال الجزيرة وفي اليمن فشمال الجزيرة في تماس مع نصرانية الشام وفلسطين وجنوبها في تماس مع نصرانية الحبشة بالإضافة إلى طبيعة الصحراء التي أعطتها بعدا أخر في دخول النصرانية إلى جزيرة العرب ؛ وكذلك طبيعة الصحراء ورحلات الإيلاف التجارية في الصيف والشتاء التي كان يقوم بها عرب الجاهلية إلى الشام واليمن جعلت لهم فرصة سانحة للأختلاط بالنصرانية في شمال الجزيرة وجنوبها وكان من نتيجتها أن أنجبت جزيرة العرب ملوك من النصارى وأساقفة من النصارى ورهبان من النصارى وكان للنبي حوار مع النصارى وأساقفتها وملوكها وكلهم من نصارى العرب ؛ فهل كانوا على موقف واحد مع محمد والقرآن من صلب المسيح بتكفير كل من يقول به ويؤمنون بصلب الشبيه أو الخائن أم أنهم كانوا على الموقف الآخر بأن المصلوب هو المسيح وأن الصليب هو فخرهم فيصبح قول محمد ما هو إلا قولا شاذا لا يستند إلى أي دليل من التاريخ وأن مواقف محمد المتناقضة تجاه النصارى ليس إلا مواقف سياسية لا دينيه؟

نعم رحت أبحث عن نصارى العرب في الجاهلية وأردت أن أعرف ما هو موقفهم من الصليب إنه بحث صعب وإزدادت صعوبته وإزدت إصرارا بعد ما قرأت ما قاله أبن هشام :

قال ابن إسحاق ‏:‏ ولما توفي رسول الله صلعم عظمت به مصيبة المسلمين ، فكانت عائشة - فيما بلغني - تقول ‏:‏ لما توفي رسول الله صلعم ، ارتد العرب ، واشرأبت اليهودية والنصرانية ، ونجم النفاق ، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ، لفقد نبيهم صلعم، حتى جمعهم الله على أبي بكر.‏

(*) السيرة النبوية لـ أبن هشام باب افتتان المسلمين بعد موته.

في حديث عائشة دلالات مهمة وهى إرتداد العرب بعد أن إنكفاء سيف محمد وفرح اليهود والنصارى وتشتت المسلمون لكن سيف أبو بكر الذي أعمله في رقاب المرتدين أخضعهم للإسلام بالقهر ؛ نعم المنتصر يكتب التاريخ فتسلحت بالصبر وتشبثت بالهدف وقرأت ما بين السطور فوجدت من العرب قبائل ملكت وسادت وكانت على النصرانية قبل محمد بسنوات وسنوات منها الضجاعمة كانوا نصارى وكانوا يتولون حكم عرب الشام قبل الغساسنة وهم نصارى أيضا بالإضافة إلى المناذرة الذين حكموا في العراق وهم نصارى أيضا. أما من ناحية القبائل المتنصرة من العرب فلا عد لها ولا حصر ومنها غسان وتغلب وتنوخ ولخم وجذام وسليح وعاملة وطئ وبهراء وإياد وحمير وكلب وشيبان وكندة وتميم وعبدِ القيس وقضاعةَ والعِباد وزابلة وكثيرٍ من بَلحارث بن كعب و...

ولمعرفة مكانة بعض القبائل وحجمها فنذكر أن كندة وهى من القبائل العربية قال الطبري عنها في تاريخ الامم والملوك :

قدم على رسول الله صلعم الأشعث ابن قيس في ستين راكباً من كندة ، فدخلوا على رسول الله مسجده ، و قد رجلوا جممهم و تكحلوا " كما كان الرسول يتكحل " عليهم جبب الحبرة ، قد كففوها بالحرير ، فلما دخلوا على رسول الله صلعم ، قال : ألم تسلموا ؟ قالوا : بلى ، قال : فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟ قال : فشقوه منها فألقوه ، ثم قال الأشعث : يا رسول الله ، نحن بنو آكل المرار ، و أنت ابن آكل المرار ، فتبسم رسول الله ، ثم قال : ناسبوا بهذا النسب العباس ابن عبد المطلب وربيعة بن الحارث. قال : وكان ربيعة والعباس تاجرين ، فكانا إذا ساحا في أرض العرب فسئلا من هما ؟ قالا : نحن بنو آكل المرار ، يتعززان بذلك ، وذلك أن كندة كانت ملوكاً ، فقال رسول الله صلعم: نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا و لا ننتفي من أبينا. فقال الأشعث بن قيس : هل عرفتم يا معشر كندة ! والله لا أسمع رجلاً قالها بعد اليوم إلا ضربته حده ثمانين .

(*) تاريخ الطبري السنة العاشرة باب قدوم الأشعب بن قيس في و فد كندة.

كندة القبيلة النصرانية والتي تشير الكثير من التلميحات أن النبي أبن واحد من رجالاتها ؛ كان لتلك القبيلة الكثير من الملوك عبر التاريخ والذين تملكوا على الحيرة وقسم منها سكن حضرموت. وينسب الطبري ذو القرنين إليها فيقول ملك المنذر بن امرئ القيس البدء ـ و هو ذو القرنين ، قال : وإنما سمي لضفيرتين كانتا له من شعره ، و أمه ماء السماء ، و هي مارية ابنة عوف ابن جشم بن هلال بن ريعة بن زيد مناة بن عامر الضيحان ابن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمرين قاسط.

أما أبن سعد فيضيف أن لهم أسقفا كان أسمه محمد قال:

أخبرنا علي بن محمد عن مسلمة بن علقمة عن قتادة بن السكن العرني قال كان في بني تميم محمد بن سفيان بن مجاشع وكان أسقفا قيل لأبيه إنه يكون للعرب نبي اسمه محمد فسماه محمدا.

(*) الطبقات الكبرى لـ أبن سعد باب ذكر من تسمى في الجاهلية بمحمد رجاء أن تدركه النبوة للذي كان من خبرها.

وهذا يضفي لنا أبن سعد بعدا جديدا على أسم محمد الذي لم يكن يطلق على أحد من قريش لكنه كان شائعا في قبيلة كندة التي تشير كثيرا من المراجع أن محمدا أحد أبناء رجالاتها ؛ لكن وجود أسقف يدل على وجود العديد من البيع.

نعم والكثير من القبائل العربية المتنصرة كانت ذو قوة وبأس وسأستعرض ذلك في مواضعه لكنني اشير فقط لما ذكره أبن خلدون في كتابه تاريخ أبن خلدون الجزء الأول باب غزوة الغابة وذي قرد. قال:

 بعث رسول الله صلعم خالداً مع بعث الشام وأمرَ على الجيش مولاه زيد بن حارثَةَ وكانوا نحواً من ثلاثة آلاف‏.‏ وقال إن أصابه قَدرٌ فالأمير جعفر بن أبي طالب فإن أصابه قدر فالأمير عبد الله بن رَواحَة فإن أصيب فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلوه أميراً عليهم‏.‏ وشَيَّعَهُم صلعم وودعهم ونهضوا حتى انتهوا إلى مَعَانٍ من أرض الشام فأتاهم الخبر بأن هِرَقْل ملك الروم قد نزل مؤاب من أرض البَلْقَاء في مائة ألف من الروم ومائة ألف من نصارى العرب البادين هنالك من لَحْمٍ وَجُذَامٍ وقبائل قُضَاعَةَ من بَهْرا وبَلِيّ والقَيْس وعليهم مالك بن زَاحِلَةَ من بني اراشَةَ ... فلقوا جموع هرقل عند قرب مؤتة ورتبوا المَيْمَنَةَ والميسرة واقتتلوا فقتل زيد بن حارثة ملاقياً بصدره الرماح والراية في يده‏.‏ فأخذها جعفر بن أبي طالب وعقر فرسه ثم قاتل حتى قطعت يمينه فأخذها بيسار فقطعت فقتل كذلك وكان ابن ثلاث وثلاثين سنة‏.‏ فأخذها عبد الله بن رواحة وتردد عن النزول بعض الشيء ثم صمم إلى العدو فقاتل حتى قتل‏.‏

وفي تلك إشارة لضخامة عدد نصارى العرب فشاركوا بـ 100000 مقاتل من بعض قبائلهم في أول حرب شنها محمد على النصارى خارج جزيرة العرب.

وكان منهم قواد عظام "هانىء بن قبيصة الشيباني من سادات "بني شيبان" كان على النصرانية، وهو قائد العرب في موقعة ذي قار وهى من أعظم أيام العرب في الجاهلية وفيها دمروا جيش كسرى ؛ دفع هذا القائد الجزية للمسلمين هو وقبيلته ومات على النصرانية.

وكان للصليب منزلة رفيعة عند نصارى العرب في الجاهلية لإيمانهم بصلب المسيح وصاروا يعلقونه على أعناقهم تبركا وتيمنا به، وينصبونه فوق منائر كنائسهم وقبابها، وقد أقسموا به. واتخذوه لهم شعاراً حتى كان بعضهم يرسمه على جبهته، وكانوا يلثمونه ويتمسحون به تبركا، ويعلقونه ذهبا على صدورهم.

ولقد أطلقوا أسم الصليب على معاركهم فكما قال أحمد بن علي القلقشندي في نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب الفصل الثالث في ذكر حروب وأيام العرب في الجاهلية. " يوم الصليب" كان بين بكر بن وائل وبين عمرو بن تميم‏.‏ وذكر "البلاذري" أن "بكر بن وائل" أغارت على "بني عمرو بن تميم" يوم "الصليب"، ومعها ناس من الاساورة، فهزمتهم بنو عمرو وقتلت "طريفا" رأس الأساورة.

وكان لهم مزارات من أهمها مزار القديس "سرجيوس" في "الرصافة"، وكان يقصدها النصارى من عرب الشام، مثل الغساسنه وتغلب. وكان ملوك ألغساسنة يقدمون الهدايا والنذور اليه وقد عدّ التغلبيون هذا القديس شفيعهم، جعلوا له راية حملوها معهم في الحروب، وكانوا يحملونها مع الصليب تبركاً وتيمناً بالنصر.

أما قوم شعيب المذكور في القرآن "الأعراف: 85" فهناك من يذكر أنهم أيضا كانوا على النصرانية ولهم رهبان فيقول الشاعر كثير بن عبد الرحمن الشهير بـ كثير عزة

رُهبانُ مدين والذين عَهدتُهـم يبكون من حذر العِقاب قُعوداً

لو يسمعون كما سمعت حديثها خَروا لعَزة رُكعاً وسجـودا

وقال كثير أيضاً:

يا أم خَرزَةَ ما رأينا مثـلـكـمِ في المنجدين ولا بغور الغـاير

رُهبان مدينَ لو رأوك تنـزلـوا والعُصمُ في شعَف الجبال الفادر

(*) معجم البلدان لـ ياقوت الحموي باب مدين.

نعم لقد كانت النصرانية متجذرة ومنتشرة في جزيرة العرب طوى وعرضا وحتى في المدينة كان أبو عامر الرَّاهب وجماعته وكان من أشراف الخزرج وهو صاحب مسجد ضرار الذي هدمه محمد والذي يقول عنه أبن كثير في تفسيره أنه قد تنصر في الجاهلية وقرأ علم أهل الكتاب ؛ بل وكانت النصرانية في بيت محمد فكان عبيد الله بن جحش أبن عمة محمد نصرانيا ثم أسلم ثم أرتد إلى نصرانيته وكانت خديجة نصرانية وعمها ورقة قس مكة نصرانيا ورفيقه عثمان بن الحويرث نصرانيا .

نصرانية نجد والحجاز

دخلت النصرانية إلى عرب شمال الجزيرة العربية، لاتصالهم بالعرب نصارى الشام والعراق. وأشهر القبائل المتنصرة في نجد هي كندة وبكر وائل وتغلب وطيء. فدخول النصرانية إلى الحجاز كان في أيام حواري المسيح. أما عرب نجد قبل الإسلام فكانوا من تغلب وتنوخ وكندة وطي وكلها قبائل كانت تدين بالنصرانية.

 يورد أبن هشام دخول النصرانية في عهد حواري المسيح فيقول قال ابن إسحاق ‏:‏ وكان من بعث عيسى بن مريم عليه السلام من الحواريين والأتباع ‏:‏ بطرس الحواري ، ومعه بولس ، وكان بولس من الأتباع ، ولم يكن من الحواريين ، إلى رومية ، وأندرائس ومتى إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس ، وتوماس ، إلى أرض بايل من أرض المشرق ، وفيلبس إلى أرض قرطاجنة ، وهي أفريقية ؛ ويحنس إلى أفسوس ، قرية الفتية أصحاب الكهف ؛ ويعقوبس إلى أوراشلم ، وهي إيلياء قرية بيت المقدس ، وابن ثلماء " ثلمالي ؟ " إلى الأعرابية ، وهي أرض الحجاز ؛ وسيمن إلى أرض البربر ، ويهوذا ، ولم يكن من الحواريين ، جعل مكان يودس ‏.‏

(*) السيرة النبوية لـ أبن هشام باب أسماء رسل عيسى عليه السلام.

برغم من مخالفة أبن هشام للإناجيل في بعض الأسماء والأماكن إلا أنني لم أكترث بذلك لأن هذه صفة غالبة لا على مؤرخي الإسلام ومفسري القرآن بل على إله القرآن نفسه فيوحنا صار في القرآن يحي ويونان يونس ويسوع عيسى وهلما جرا ؛ إلا أن ما ذكره أبن هشام له دلالة أن النصرانية بدأت في جزيرة العرب مبكرا في عصر الحواريين كما نصرانية الشام والعراق ومصر وتركيا وروما والهند وهذا يوافق الإنجيل الذي ذكر أن بولس قضى ثلاث سنوات في جزيرة العرب. ويقع في الحجاز وادي القرى الذي يتميز بكثرة القرى فيه لكثرة الماء فيه وخصوبة تربته وكان كثير من اليهود يقطنون بهذا الوادي ونزلته قضاعة وهي من أقدم القبائل النصرانية وكذلك بني سليح وفيه تقع دومة الجندل التي دفعت الجزية وكان لها أسقف وكان حاكمها الأكيدر يتوشح الصليب على صدره وقال الأصفهاني في الأغاني :

ونحن منعنا ذا القرى من عدونـا  وعذرة إذ نلقى يهوداً وبعثـرا

منعناه من عليا مـعـد وأنـتـم  سفاسيف روح بين قرح وخيبرا

فريقان رهبان بأسفل ذي القـرى  وبالشام عرافون فيمن تنصـرا

(*) الاغاني للإمام أبو الفرج الأصفهاني باب نسب جميل وأخباره

ومن هنا كان وادي الحجاز عامرا بالرهبان والنصارى وكان حاكمهم وملكهم يضع الصليب على صدره كما سيرد لاحقا. أين هم النصارى الذين توحدوا مع محمد في نفس الإله ونفس المعتقد في صلب المسيح بأنه كفر وضلال؟.

نصرانية مكة والمدينة

 مكة والمدينة تقع بأمتداد الحجاز جنوبا فيذكر الطبري قصة تؤكد أن النصرانية دخلت المدينة كما الحجاز قي عصر حواري المسيح فيقول :

حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن عمر ابن عبد الله بن عروة بن الزبير ، عن ابن سليم الأنصاري ، ثم الزرقي ، قال : كان على امرأة منا نذر ، لتظهرن على رأس الجماء ـ جبل بالعقيق من ناحية المدينة ـ قال : فظهرت معها ، حتى إذا استوينا على رأس الجبل ، إذا قبر عظيم ، عليه حجران عظيمان ، حجر عند رأسه ، وحجر عند رجليه ، فيهما كتاب بالمسند ، لا أدري ما هو ! فاحتملت الحجرين معي ، حتى إذا كنت ببعض ألجبل منهبطاً ثقلاً علي ، فألقيت أحدهما و هبطت بالآخر ، فعرضته على أهل السريانية : هل يعرفون كتابه ؟ فلم يعرفوه ، وعرضته على من يكتب بالزبور من أهل اليمن ، ومن يكتب بالمسند فلم يعرفوه. قال : فلما لم أجد أحداً ممن يعرفه ألقتيه تحت تابوت لنا ، فمكث سنين ، ثم دخل علينا ناس من أهل ماه من الفرس يبتغون الخرز ، فقلت لهم : هل لكم من كتاب ؟ فقالوا : نعم ، فأخرجت إليهم الحجر ، فإذا هم يقرءونه ، فإذا هو بكتابهم : هذا قبر رسول الله عيسى بن مريم عليه السلام إلى أهل هذه البلاد ، فإذا هم كانوا أهلها في ذلك الزمان ، مات عندهم فدفنوه على رأس الجبل . 

 (*) تاريخ الطبري باب  القسم الثاني من ذكر الأحداث التي كانت في أيام ملوك الطوائف.

 

في القصة دلالة مهمة على أن النصرانية دخلت المدينة كما الحجاز على يد حواري المسيح وتلاميذه أما الشهرستاني فيقول في الملل والنحل تحت عنوان أهل الكتاب والأميون:

الفرقتان المتقابلتان قبل المبعث هم‏:‏ أهل الكتاب والأميون والأمي‏:‏ من لا يعرف الكتابة‏.‏ وكانت اليهود والنصارى بالمدينة والأميون بمكة‏.‏ ويضيف الشهرستاني بقوله : وقبلة الفرقة الأولى‏:‏ بيت المقدس وقبلة الفرقة الثانية‏:‏ بيت الله الحرام الذي وضع للناس بمكة مباركاً وهدى للعالمين‏.‏

ومن هنا يبرز الشهرستاني الوجود النصراني بالمدينة وهى لا تبعد كثيرا عن مكة جغرافيا أما إجتماعيا فكانت المدينة هى قبلة العلم بالنسبة للأميين في مكة حيث أن المدينة كانت لأهل الكتاب أهل العلم. ومن هنا كان لزاما عليّ أن أتتبع هؤلاء النصارى الذين مدحهم النبي وتوحد معهم في نفس الإله ونفس المعتقد بالنسبة لصلب شبيه المسيح لكن ما أثار دهشتي أن قبلة الفرقة الأولى " اليهود والنصارى" هى بيت المقدس وهي نفس القبلة التي كان يستقبلها النبي بمكة وحتى بعد فرض الصلاة تضاربت أقوالهم فيها 14 18 شهرا ثم أرتد عنها إلى قبلة الأميين عابدي الأوثان إي إلى بيت الله الحرام بمكة.

ثم يطلعنا الإمام برهان الدين الحلبي في السيرة الحلبية أن مكة لم تخلو من النصرانية فقال : فلما توفى ورقة قال رسول الله صلعم لقد رأيت القس يعني ورقة في الجنة وعليه ثياب حرير أي والقس بكسر القاف رئيس النصارى وبفتحها تتبع الشي هذا وفي القاموس القس مثلث القاف تتبع الشيء وطلبه كالتقسس وبالفتح صاحب الإبل الذي لا يفارقها ورئيس النصارى في العلم وفي رواية أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس وفي رواية قد رأيته فرأيت عليه ثيابا بيضا وأحسبه أي أظنه لو كان من أهل النار لم تكن عليه ثياب بيض.

(*) السيرة الحلبية باب بدء الوحي له صلعم.الروض الآنف للسهيلي باب ترجمة ورقة.

لم يكن القس ورقة من النصارى الذين أبحث عنهم المتوحدون مع محمد في نفس الإله برغم أحاديث محمد التي تقول أنه في الجنة ولو سباحة كما الدعموس بل كان مؤمنا بلاهوت المسيح وتلك صفعة أخرى وجهها ليّ السهيلي في الروض الأنف ردا على سؤال منطقي ؛ لماذا قال ورقة لخديجة عندما أستشارته في جبريل فقال لها لو صدقتي يا خديجة فلقد جاءه ناموس موسى فلماذا لم يقل عيسى؟ فيقول السهيلي:

وإنما ذكر ورقة موسى ولم يذكر عيسى، وهو أقرب، لأن ورقة كان قد تنصر، والنصارى لا يقولن في عيسى: إنه نبي يأتيه جبريل، إنما يقولون فيه: إن أقنوماً من الأقانيم الثلاثة اللاهوتية حل بناسوت المسيح، واتحد به على اختلاف بينهم في ذلك الحلول، وهو أقنوم الكلمة، والكلمة عندهم: عبارة عن العلم، فلذلك كان المسيح عندهم، يعلم الغيب، ويخبر بما في غد، فلما كان هذا من مذهب النصارى الكذبة على الله، المدعين المحال، عدل عن ذكر عيسى إلى ذكر موسى لعلمه، أو لاعتقاده أن جبريل كان ينزل على موسى.

(*) الروض الأنف للسهيلي باب معنى الناموس.

لقد كان جهلة العرب يعرفون أن موسى كليم الله ؛ فلماذا فقط ورقة صاحب علم النصرانية يجهل ذلك ويقول أن جبريل جاء لموسى؟ أما القول أن النصارى لا يقولون أن جبريل يأتي عيسى ؛ فماذا عن قول القرآن وأيدناه بروح القدس؟ فمعنى ذلك أن الروح القدس ليس بجبريل فما هو الروح القدس الذي أيد الله به عيسى! أما خوف ورقة من النصارى فذكر موسى ولم يذكر عيسى فهو طعن في شهادة ورقة الجبان الرعديد والقس المنافق الذي لم يبلّغ أتباعه بحقيقة عيسى وخاف منهم وفال موسى وكان الأصح أن يقول عيسى؟ نعم الحل في المدسوس والموضوع والإسرائليات ؛ لكن سيبقى السؤال عالقا ؛ لماذا ذكر موسى ولم يذكر عيسى؟

مات ورقة القس رئيس النصارى في السنة الرابعة ؛ أين دفن القس؟  يقول الأزرقي في أخبار مكة باب ذكر شق مسفلة مكة الشامي وما فيه يقول : مقبرة النصارى: دبر المقلع على طريق بير عنبسة بذي طوى. فترى ما معني مقبرة النصارى؟ أليس هذا دليل على وجود نصراني قوي ؛ هل دفن القس هناك؟ لكن ترى على من كان القس رئيسا؟ وهل هناك قس بلا كنيسة أو بيعة أو أتباع أو شعب يتبعه؟ هل أنكر هؤلاء الصلب وأتفقوا مع محمد في نفس الإله ونفس المعتقد بالنسبة لصلب الشبيه ؟ ويضيف الأزرقي عن كعبة مكة في عصر النبي والقس فيقول :

أن الكعبة كان بها صور الأنبياء وصور الشجر وصور الملائكة فكان فيها صورة إبراهيم خليل الرحمن شيخ يستقسم بالازلام وصورة عيسى بن مريم وأمه وصور الملائكة عليهم السلام أجمعين فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله صلعم فأرسل العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب أمر بطمس تلك الصور فطمست قال ووضع كفيه على صورة عيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام وقال امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي فرفع يديه عن عيسى بن مريم وأمه ... وكان في الكعبة تمثال مريم وعيسى ابنها قاعدا مزوقا ... قال وكان تمثال عيسى بن مريم ومريم عليهما السلام في العمود الذي يلي الباب قال ابن جريج فقلت لعطاء متى هلك؟ قال في الحريق في عصر ابن الزبير....  

(*) أخبار مكة للأزرقي باب ما جاء في ذكر بناء قريش الكعبة في الجاهلية.

إن وجود صور عيسى ومريم في الكعبة يثير كثيرا من الأسئلة وخاصة أن النبي طمس كل صور الأنبياء والملائكة وأبقى على صورة عيسى ومريم بل والأكثر إثارة للعجب أن يترك محمد تمثال عيسى وأمه ويظل باق في عصر خلفائه !! لكن السؤال إذا كان ورقة قس مكة ورئيس النصارى فأين البيعة أو الكنيسة التي كان يصلي فيها نصارى مكة؟

لقد كانت الكعبة ربما البناء الوحيد في مكة فهناك قصص تدل على حيرة عرب مكة في بناء الكعبة فبناها لهم نجار قبطي ؛ فهل كانت الكعبة بيعة لنصارى مكة أو هل كان بها مكان للنصارى أتباع القس؟ المتتبع للكعبات في جزيرة العرب قبل الإسلام يجد أن بعضها كان بيع أو كنائس خاصة كعبة نجران وكعبة اليمن.

نعم لقد كانت النصرانية تضرب بجذورها في مكة بل وفي الكعبة ويروي الإمام أبو الفرج في الأغاني أن النعمان أبن المنذر سجن عدي بن زيد فخاطبه عدي من سجنه بقصيدة تلك أبيات منها:

سعى الأعداء لا يألون شـراً  علي ورب مكة والصلـيب

أرادوا كي تمهل عن عـدي  ليسجن أو يدهده في القليب

وكنت لزاز خصمك لم أعرد  وقد سلكوك في يومٍ عصيب 

أعالنهم وأبطـن كـل سـر  كما بين اللحاء إلى العسيب

ففزت عليهم لما التـقـينـا  بتاجك فوزة القدح الأريب

وما دهري بأن كدرت فضلاً  ولكن ما لقيت من العجيب

 (*) الأغاني  أبو الفرج الأصفهاني باب حبس النعمان لعدي بن زيد وما خاطب به عدي النعمان من الشعر.

لقد كان الخطاب من أحد الشعراء النصارى للملك النعمان أبن المنذر النصراني من ملوك الحيرة فهو لا ينافقه فكيف لشاعر نصراني أن يقرن بين رب مكة الوثنية مع الصليب في شعر يتودد فيه لملك نصراني؟ الدلالة الوحيدة لهذا البيت أن النصرانية كانت منتشرة بمكة.

يذكر برهان الدين الحلبي في السيرة الحلبية قال وبينا عبدالمطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران والأسقف رئيس النصارى في دينهم اشتق من السقف بالتحريك وهو طول الإنحناء لأنه يتخاشع أي يظهر الخشوع وذلك الأسقف يحادثه ويقول له إنا نجد صفة نبي بقى من ولد إسمعيل وهذا البلد مولده ومن صفته كذا وكذا وأتى برسول الله صلعم فنظر إليه الأسقف إلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدمه وقال هو هذا ما هذا منك قال هذا ابني قال ما نجد أباه حيا قال هو ابن أبني وقد مات أبوه وأمه حبلى به قال صدقت فقال عبدالمطلب لبنيه تحفظوا بإبن أخيكم ألا تسمعون ما يقال فيه انتهى.

(*) السيرة الحلبية باب وفاة أمه صلعم وحضانة أم أيمن له وكفالة جده عبدالمطلب إياه.

وبعد التغاضي عن التحابيش القرشية والبهار الهاشمي فماذا نفهم من قول أبن هشام " فنظر إليه الأسقف إلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدمه وقال ما هذا منك قال هذا ابني قال ما نجد أباه حيا" لا علاقة بين موت أبو محمد وبين قدم محمد وعينيه وظهره فنظر الأسقف يدل على بحثه عن صفات وراثية فكأنه يقول هذا الولد لا ينتمي إلى هذه القبيلة فربما وجد صفات قبيلة كندة ويؤكد ذلك حديث عائشة في صحيح البخاري أن رسول الله صلعم دخل عليها مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ألم تسمعي ما قال المدلجي لزيد وأسامة ورأى أقدامهما إن بعض هذه الأقدام من بعض أي من أقدمهما عرف المدلجي أن أسامه هو أبن زيد من النسب لكن من هذه الواقعة نرى أن زيارة الأساقفة لمكة لم تنقطع فقد كانت قبل ظهور محمد وجاء وفد من أساقفة نصارى نجران لمناقشة النبي وكفرهم محمد وقال عنهم عباد الصليب ؛ لكن السؤال المهم هل هناك أي حوار في كل كتب السيرة الإسلامية بين نصارى مكة وعلى رأسهم ورقة القس وبين نصارى نجران تقول أنهم كانوا على أختلاف يبنهم من الصليب أم أن الصليب في مكة كما الصليب في نجران؟ فيصبح موقف محمد من الصليب هو بمثابة موقف سياسي وإنقلاب كما هى طبيعته من تغيير القبلة ومواقفه المتناقضة ما بين مكة والمدينة والدعاء إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة وبين الدعاء بالسيف وقطع الرقاب. نعم كانت النصرانية التي تقدس صليب المسيح تضرب بجذورها في جزيرة العرب في الجاهلية وفي زمن محمد وقبله.

نصرانية نجران

ولمعرفة نجران جغرافيا فهى المنطقة التي تحتل الربع الجنوبي الغربي من المملكة العربية السعودية وهى المنطقة الواقعة بين الحجاز واليمن وللأقتراب أكثر من وادي نجران فلقد أورد أبن كثير في البداية والنهاية باب وفد نجران قال : " وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل ". وكان لهذه المنطقة نشاطا تبشيريا داخل الجزيرة العربية والتي أمتدت حتى عكاظ وبرز في هذا النشاط التبشيري القس المصقع أبن ساعدة الإيادي " أسقف نجران؛ كما جاء في تاج العروس للزبيدي" ؛ الذي ما ترك موسما من مواسم أسواق عكاظ إلا والقى عظاته المحكمة التي تحذر عباد الأصنام من الطريق الذي يسلكون وكانت له خطب خلبت لب النبي القرشي وحتى بعد أن جاء بالقرآن كانت تشتاق نفسه لمواعظ قس أبن ساعدة الأيادي الذي كثيرا ما كان يطلب من صحابته أن يعيدوا على مسامعه عظات قس أبن ساعدة الإيادي وكان أبو بكر يحفظها ويتلوها على مسامع النبي ومن يريد الأكثر عليه أن يرجع إلى كتابي القرآن في الشعر الجاهلي. وفي سنة 523م " قبل الإسلام " قام ذو نُوَاس اليهودى بحملة على نصارى نجران، وحاول صرفهم عن النصرانية قسرًا وخدّ لهم الأخدود وألقاهم في النار، وهذا الذي أشار إليه القرآن بقوله‏:‏ ‏" ‏قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ"‏ ‏(البروج‏:‏4‏).

ويشير الأزرقي في أخبار مكة إلى تلك الوقعة فيقول : حدثنا أبو الوليد قال: ... عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس، وعن من لقي من علماء أهل اليمن وكان جل الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس إن ملكاً من ملوك حمير يقال له: زرعة ذو نواس وكان قد تهود واستجمعت معه حمير على ذلك إلا ما كان من أهل نجران وهم من أشلاء سبا فانهم كانوا على دين النصرانية على أصل حكم الأنجيل وبقايا من دين الحواريين ولهم رأس يقال له: عبد الله بن ثامر، فدعاهم ذو نواس إلى اليهودية فأبوا فخيرهم فاختاروا القتل فخد لهم أخدوداً وصنف لهم القتل فمنهم من قتل صبراً، ومنهم من أوقد له النار في الأخدود فألقاه في النار إلا رجلاً من سبا يقال له دوس بن ذي ثعلبان، فذهب على فرس له يركض حتى أعجزهم في الرمل فأتى قيصر فذكر له ما بلغ منهم واستنصره فقال له: بعدت بلادك عنا ولكن سأكتب لك إلى ملك الحبشة فإنه على ديننا فينصرك فكتب له إلى النجاشي يأمره بنصره.

(*) أخبار مكة لـ الأزرقي باب ذكر مبتدأ حديث الفيل.

وبعيدا عن كل التفاسير فعدد نصارى نجران الذين قتلهم وأحرقهم ذو نواس تضاربت فيه الأقوال من عشرين ألف إلى سبعين ألف وهذا في كل الأحوال يطلعنا على حجم نصرانية نجران وأساقفتها وكنائسها قبل محمد بكثير والتي ربما تكشف لنا عنها الحفائر عندما يعرف السعوديون كيف ينضمون إلى البشرية ويعرفوا أن هذا التاريخ ليس ملكهم وحدهم بل هو تراث البشرية بأثرها.

قال ياقوت الحموي في معجم البلدان : ديرُ نجرَانَ: في موضعين أحدهما باليمن لآل عبد المدان بين الدَيان من بني الحارث بن كعب ومنه جاء القوم الذين أرادوا مباهلة النبي صلعم وكان بنو عبد المدان بن الديان بنوه مربعاً مستوي الأضلاع والأقطار مرتفعاً من الأرض يصعد إليه بدرجة على مثال بناء الكعبة فكانوا يحجونه هم وطوائف من العرب ممن يحل الأشهر الحرم ولا يحج الكعبة ويحجه خثعمُ قاطبة وكان أهل ثلاثة بيوتات يتبارون في البيع وربها أهل المنذر بالحيرة وغسان بالشام وبنو الحارث بن كعب بنجران وبنوا ديارتهم في المواضع النزهة الكثيرة الشجر والرياض والغدران ويجعلون في حيطانها الفسافس وفي سقوفها الذهب والصُوَرَ وكان بنو الحارث بن كعب على ذلك إلى أن جاء الإسلام.

(*) معجم البلدان لـ ياقوت الحموي باب دير نجران.

وهنا يطلعنا ياقوت الحموي على أن أساقفة نجران الذين أراد النبي مباهلتهم تخرجوا من دير نجران كما يخبرنا الحموي أن هناك في نجران كانت توجد عدة أديرة بناها النجرانيون في الأماكن الكثيرة الشجر والغدران ومن يقرأ الديارات للشابشتي ومعجم البلدان للحموي يجد أن أغلب أديرة العراق كانت تبني في الأماكن كثيرة الشجر والماء. 

ويضيف الحموي في معجم البلدان : كعبة نجران هذه يقال بيعة بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة وعظموها مضاهاة للكعبة وسموها كعبة نجران وكان فيها أساقفة معتمون " أو مقيمون كما في تاج العروس " وهم الذين جاؤوا إلى النبي صلعم ودعاهم إلى المباهلة، وذكر هشام بن الكلبي أنها كانت قبة من أدم من ثلاثمائة جلد كان إذا جاءها الخائف أمن أو طالب حاجة قضيت أو مسترفد أرفد وكان لعظمها عندهم يسمونها كعبة نجران وكانت على نهر بنجران وكانت لعبد المسيح بن دارس بن عدي بن معقل وكان يستغل من ذلك النهر عشرة آلاف دينار وكانت القبة تستغرقها. ثم كان أول من سكن نجران من بني الحارث بن كعب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان يزيد بن عبد المدان وذلك أن عبد المسيح زوجه ابنته دهيمة فولدت له عبد الله بن يزيد ومات عبد الله بن يزيد فانتقل ما له إلى يزيد فكان أول حارثي حل في نجران، وكان من أمر المباهلة ما ليس ذكره ... وقد روي عن النبي صلعم أنه قال القرى المحفوظة أربع مكة والمدينة وإيلياء ونجران وما من ليلة إلا وينزل على نجران سبعون ألف ملك يسلمون على أصحاب الأخدود ولا يرجعون إليها بعد هذا أبداً.

(*) معجم البلدان لـ ياقوت الحموي باب نجران.

‏قال أبن كثير أن النبي صلعم كتب لأسقف بني الحارث بن كعب أسقف نجران هذا الكتاب، ولأساقفة نجران بعده‏:‏ ‏بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النَّبيّ للأسقف أبي الحارث، وأساقفة نجران، وكهنتهم، ورهبانهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير، جوار الله ورسوله لا يغير أسقف من أسقفته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم، ولا ما كانوا عليه من ذلك، جوار الله ورسوله أبداً، ما أصلحوا ونصحوا، عليهم غير مبتلين بظلم ولا ظالمين‏‏‏.‏

(*) البداية والنهاية لأين كثير باب وفد نجران. الطبقات الكبرى لـ أبن سعد باب ذكر بعثة رسول الله صلعم الرسل بكتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وما كتب به رسول الله صلعم لناس من العرب وغيرهم.

جاء في أسباب النزول للواحدي النيسبوري: قال المفسرون: قدم وفد نجران، وكانوا ستين راكباً على رسول الله صلعم وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم، فالعاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه واسمه عبد المسيح، والسيد إمامهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم، وإمامهم وصاحب مدارسهم، ...  وقد حانت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله صلعم، فقال رسول الله صلعم دعوهم فصلوا إلى المشرق، فكلم السيد والعاقب رسول الله صلعم، فقال لهما رسول الله صلعم: أسلما، فقالا: قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما منعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولداً، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالا: إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه؟ وخاصموه جميعاً في عيسى، فقال لهما النبي صلعم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى أتى عليه الفناء؟ قالوا: بلى... فأنزل الله عز وجل فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضعة وثمانين آية منها.

(*)الواحدي أسباب نزول القرآن باب سورة آل عمران.

وهنا يطلعنا الواحدي النيسبوري على نصرانية نجران وحجمها وأن لهم أساقفة " كما جاء في الأغاني للإمام أبو الفرج الأصفهاني والطبقات الكبرى لأبن سعد وذكرهم الأعشى في أشعاره" على عصر النبي كما كان لهم أسقف في عصر جد محمد وأنهم يؤمنون بصلب المسيح وموته. وهو أمتداد للأساقفة المعتمدين الذين ذكرهم ياقوت الحموي في معجم البلدان. هذا ما بدأ به محمد مع أهل نجران ؛ لكن ماذا كانت نهايتهم عند وفاة محمد ومع خليفته وأبو محبوبته؟

قال أبو جعفر : ولما بلغ أهل نجران وفاة رسول الله صلعم وهم يومئذ أربعون ألف مقاتل ، من بني الأفعى ، الأمة التي كانوا بها قبل بني الحارث ، بعثوا وفداً ليجددوا عهداً ، فقدموا إليه فكتب لهم كتاباً :

بسم الله الرحمن الرحيم . هذا كتاب من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله صلعم لأهل نجران ، أجارهم من جنده ونفسه ، وأجاز لهم ذمة محمد صلعم إلا ما رجع عنه محمد رسول الله صلعم بأمر الله عز وجل في أرضهم و أرض العرب ، ألا يسكن بها دينان ، أجارهم على أنفسهم بعد ذلك و ملتهم وسائر أموالهم وحاشيتهم وعاديتهم ، وغائبهم وشاهدهم ، وأسقفهم ورهبانهم وبيعهم حيثما وقعت ، وعلى ما ملكت أيديهم من قليل أو كثير ، عليهم ما عليهم ، فإذا أدوه فلا يحشرون ولا يعشرون . ولا يغير أسقف من أسقفيته ، ولا راهب من رهبانيته ، ووفى لهم بكل ما كتب لهم رسول الله صلعم وعلى ما في هذا الكتاب من ذمة محمد رسول الله صلعم وجوار المسلمين .

(*)تاريخ الطبري باب ذكر خبر المرتدين باليمن.

أربعون ألف مقاتل حجم مقاتلي نجران عند وفاة محمد يدلنا على حجم نصرانيتها وحجم مأساتهم. لكن أبو بكر صرح بوضوح لا لبس فيه أن محمدا تلون وتغير موقفه من أهل نجران وبعد أن أقر في بداية تعامله مع أهل نجران بصون نصرانيتهم مقابل الجزية تبدل إلى إجلائهم وطردهم من نجران لو تمسكوا بنصرانيتهم بأمر الله فطرد من جزيرة العرب من تمسك بنصرانيته أم من جبن وخاف فأسلم بسيف محمد وخلفائه تلك واحدة من مآسي قبائل نصارى العرب في ظل دولة محمد نبي الرحمة.

 

نعم إن موقف محمد من نجران وأهلها وأساقفتها موقف محير لا يمكن أن يخرج منه الباحث بنتيجة فمن السهل عليّ أن أمسك الزئبق ولكن ليس في أستطاعتي أن أعرف ما هو موقف محمد والقرآن من نجران وأهلها؟

ويحضرني قول الشاعر:

يعطيك من طرف اللسان حلاوة    ويروغ منك كما يروغ الثعلب

محمد يأتي بآية لأصحاب الأخدود النصارى الذين قتلهم ذو نواس اليهودي ويقول أن 70000 ملك كل يوم يترحمون على نصارى الأخدود ويأتي كل يوم جديد بـ 70000 ملك جديد يترحمون على نصارى الأخدود ومن ناحية أخرى موقف محمد من أهل نجران لا يختلف كثيرا عن موقف ذي نواس اليهودي الذي أراد إقتلاع نصرانية نجران بأن خد لهم الأخدود أما محمد فأمر بطردهم وإقتلاعهم من أرضهم!.

قال رسول الله صلعم في البداية والنهاية لأبن كثير باب ذكر قس بن ساعدة الإيادي والمنتظم في التاريخ لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الجزء الثاني باب ذكر الحوادث في سنة خمس عشرة من مولده صلعم. قال " ‏رحم الله قساً أما إنه سيبعث يوم القيامة أمة واحدة " لقد عاصر النبي وسمع خطب قس أبن ساعدة أسقف نجران وطلب من كل من يحفظها أن يعيد على مسامعه عظات الأسقف قس أبن ساعدة ومن ناحية أخرى محمد كفر أساقفة نجران وخلفاء الأسقف قس بن ساعدة وقال بكفرهم وعبادتهم للصليب وشربهم للخمر وأكلهم للخنزير ؛ محمد كتب لأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم أن لهم على ما تحت أيديهم من قليل وكثير من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم وجوار الله ورسوله لا يغير أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته ولا كاهن عن كهانته ؛ ومحمد نفسه يأمر خلفائه بطرد نصارى نجران من بلادهم ومن بلاد أجدادهم ؛ ما الذي جرى هل تغير إيمان أساقفة نجران وكهنتها ورهبانها؟ متى؟ من الذي غيرها؟ محمد مدح أسقف نجران قس بن ساعدة وأنقلب وكفر خلفائه ؛ ما الذي جرى؟ قال النبي صلعم أن القرى المحفوظة أربع مكة والمدينة وإيلياء ونجران. هكذا قال نبي الملحمة ثم أدار ظهره وقال : عن أبي عبيدة بن الجراح قال: إن آخر ما تكلم به النبي صلعم أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب.

 (*)صحيح مسلم باب إِخْرَاجِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ‏. حلية الأولياء للحافظ أبي نعيم الأصفهاني باب وكيع بن الجراح. الجامع الصغير للسيوطي حديث رقم7190.

إن الدراسة المدققة والمتأنية لموقف محمد من نجران وأساقفتها وأهلها يخرج بنتيجة واحدة لا ثاني لها هى أن موقف محمد هو موقف سياسي لا ديني ولا علاقة له بالإله ولا بالسماء وكتبها. أين النصارى الذين توحد معهم محمد في نفس الإله؟ أين النصارى الذين يعتبرون الصليب وثن كما يقول به محمد؟ أين النصارى الذين يؤمنون بصلب شبيه المسيح؟

نصرانية اليمن

اليمن من حيث طبيعة شعبها فهو شعب يجيد الصناعة والزراعة وعرف الكتابة قبل أن يعرفها القرشيون بقرون ويعتبر القرشيون اليمنيين من العلوج لعملهم في الصناعة والزراعة أما من حيث الموقع الجغرافي تقع جنوب نجران الني تجذرت فيها النصرانية وذكر القرآن قصة نصارتها أصحاب الأخدود ويفصلها مضيق صغير عن نصرانية الحبشة والبعض يقول بأنشار النصرانية بها قبل إحتلال الحبشة لها سنة 340 م؛ والبعض يقول بل أنتشرت النصرانية فيها مع إحتلال الحبشة وهذا ليس مبحثي لكن مبحثي عن النصارى الذين يتوحدون مع محمد في نفس الإله ونفس المعتقد في صلب المسيح. ويذكر أبن سعيد أن اليمن عرف النصرانية والصليب قبل محمد بأكثر من قرنين من الزمان.

ذكر ابن سعيد قال ذكر البيهقي أنه في دولة عمرو انتقل مفتاح الكعبة من ولد إسماعيل إلى خزاعة. وذكر أن عبد كلال بن مثوب الحميري كان أخا عمرو المذكور من أمه " عمرو بن تبع بن أسعد بن عدي بن صيفي ابن سبأ الأصغر الحميري " ، ومن بيت الملك، فحصلت له التبعية باليمن بعده. وبلغه قوة دين النصرانية، فمال إليها، وكان يكتم ذلك. واشتهر بالزهد وطلب الآخرة. وفي مدته عاثت العرب في بلادها وأرياف العراق، فخرج عليها سابور ذو الأكتاف، وفعل فيهم الأفعال الشنيعة.

وذكر صاحب الكمائم أن عبد كلال كان قد هم بأن يحمل أهل اليمن على دين المسيح لما رأى من غلبته على دين اليهود الذي دانت به اليمانية في ذلك الأوان، فبلغه ما فعل سابور بأهل هذه الملة، وأنه حصر مدينتهم العظيمة القسطنطينية وأقسم أن يكسر الصلبان ويفني أهل هذا الدين، فخاف إن أظهر ذلك أن يجعله سببا لغزوه مع ما كان يعتقده من إفناء العرب واستئصالهم، فمات وهو كاتم له، ولم يظهره إلا لبعض خواصه، ووجد الصليب في بيته حين مات. وكان ملكه أربعاً وثلاثين سنة.

(*)نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب لـ أبن سعيد باب عبد كلال بن مثوب الحميري.

كان سابور الثاني الملقب بذي الأكتاف قد حكم بلاد فارس من 309 م - إلى 379 م.

نعم إن اليمن يرقد على منجم تاريخي ربما يزيل الغموض عن بعض المبهمات والتناقضات التي يعج بها القرآن ومنها الرحمن فيذكر جواد علي في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام بعض النصوص التي وجدها علماء الآثار والمنقبون فيقول :

قد جاء اسم "شرحب ايل يكف" "شرحبيل يكف" في كتابة مؤرخة بسنة "575" من التقويم الحميري، المقابة لسنة "460" للميلاد. وقد وردت في الكتابة جملة: "رحمنن وبنهو كرشتش غلبن"، أي "الرحمن وابنه المسيح الغالب"، وقد استعمل لفظة "كرشتش" في مقابل لفظة Christus، مما يدل على إن صاحبها نصراني.

ويقول في موضع آخر : العبارة الاتية: " بخيل وردا ورحمت رحمنن ومسحو ورح قدس سطرو ذن مزندن. إن ابره عزلى ملكن اجعزين رمحز زبيمن ملك سبأ وذ ريدن وحضرموت ويمنت واعربهمو طودم وتهمت"، أي "بحول و قوة ورحمة الرحمن ومسيحه وروح القدس. وسطروا هذه الكتابة. إن أبرهة نائب ملك الجعزيين رمحز زبيمان ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها في النجاد وفي تهامة ".

ويقول في نص أخر وجد مدونا على "سد مأرب" بجملة: "بخيل ودا ورحمت رحمن ومسحهو ورح قدس"، ومعناها: "بحول وقوة ورحمة الرحمن ومسيحه وروح القدس"، والجملتان من الجمل التي ترد في نصوص اليمن لأول مرة، وذلك بسبب كون أبرهة نصرانياً، وقد صارت النصرانية في أيام احتلال الحبش لليمن ديانة رسمية للحكومة، باعتبار أنها ديانة الحاكمين.

ويقول في نص أخر وجده المنقبون "ريكمنس" عن النص الأصيل: "بخيل رحمنن ومسحهو ملكن ابره زبيمن ملك سبا وذ ريدن وحضرموت ويمنت واعربهمو طودم وتهمت سطرو ذن سطرن كغزيو معدم غزوتن ربعتن بورخن ذ ثبتن كقسدو كل بنيعمرم وذكى ملكن ابجر بعم كدت وعل وبشرم بنحصنم بعم سعدم و م.خ ض.و وضرو قدمى جيشن على بنيعمرم كدت وعلى ود، ع. ز. رن. مردم وسعدم بود بمنهح تربن وهرجو وازرو ومنمو ذ عسم ومخض ملكن بحلبن ودنو كطل معدم ورهنو وبعدنهو وزعهمو عمرم بن مذرن ورهنهمو بنهو وستخلفهو على معدم معدم وقفلو بن حلبن بخيل رحمنن ورخهو ذلئنى وسثى وست ماتم ".

ونصه في عربيتنا: "بحول الرحمن ومسيحه. الملك أبرهة زبيمان ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت "اليمن" وأعرابها في الطود "

(*) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد على الفصل الحادي و الثلاثون باب سبأ و ذو ريدان و حضرموت و يمنت.

أما من ناحية حكامها فيقول الفيروزآبادي: "أن كثير من ملوك اليمن والحيرة تنصروا؟؟

أما اليعقوبي فيقول في تاريخه في باب أديان العرب : وأما من تنصر من أحياء العرب، فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى، منهم: عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وورقة بن نوفل بن أسد، ومن بني تميم بنو امرىء القيس بن زيد مناة، ومن ربيعة بنو تغلب، ومن اليمن طيء، ومذحج، وبهراء، وسليح، وتنوخ، وغسان، ولخم. ويضيف اليعقوبي في باب ملوك الشام :  كانت قضاعة أول من قدم الشأم من العرب، فصارت إلى ملوك الروم فملكوهم، فكان أول الملك لتنوخ بن مالك بن فهم بن تيم الله ابن الأسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة، فدخلوا في دين النصرانية، فملكهم ملك الروم على من ببلاد الشام من العرب، فكان أول من ملك منهم: النعمان بن عمرو بن مالك.

(*) تاريخ اليعقوبي باب ملوك الشام.

وكلما أقتربنا من فترة ظهور النبي القرشي يزداد الأمر وضوحا فيذكر أبن الأثير وأبن الجوزي : لما دام ملك أبرهة باليمن وتمكن به بنى القليس بصنعاء وهي كنيسة لم ير مثلها في زمانها بشيء من الأرض ثم كتب إلى النجاشي‏:‏ إني قد بنيت لك كنيسة لم ير مثلها ولست بمنتهٍ حتى أصرف إليها حاج العرب‏.‏

فلما تحدثت العرب بذلك غضب رجل من النسأة من بني فقيم فخرج حتى أتاها فقعد فيها وتغوط ثم لحق بأهله فأخبر بذلك أبرهة وقيل له‏:‏ إنه فعل رجل من أهل البيت الذي تحجه العرب بمكة غضب لما سمع أنك تريد صرف الحجاج عنه ففعل هذا‏.‏

(*) الكامل في التاريخ لـ أبن الأثير باب ذكر أمر الفيل. المنتظم في التاريخ لـ أبن الجوزي. تاريخ الأمم والملوك للطبري.

أما ياقوت الحموي في معجم البلدان فيورد لنا تفاصيل أكثر عن تلك الكنيسة فيقول :

قال هي الكنيسة التي بناها أبرهة ... وأنه جعل على أعلى الكنيسة خشباً كرؤوس الناس، ...  وكان ينقل إليها آلات البناء كالرخام المجزع، والحجارة المنقوشة بالذهب من قصر بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام وكان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ، وكان فيه بقايا من آثار ملكهم، فاستعان بذلك على ما أراده من بناءِ هذه الكنيسة، وبهجتها، وبهائها، ونَصَبَ فيها صلباناً من الذهب، والفضة، ومنابر من العاج، والآبنوس وكان أراد أن يرفع في بنيانها حتى يشرف منها على عَدَن ...  فلما هلك ومُزقت الحبشة كل ممزْق وأقفرَ ما حول هذه الكنيسة ولم يعمرها أحدٌ كُثَرت حولها السباعُ والحيّات، وكان كل من أراد أن يأخذ منها أصابته الجنُّ فبقيت من ذلك العهد بما فيها من العدد والآلات من الذهب والفضة ذات القيمة الوافرة، والقناطير من المال لا يستطيع أحد أن يأخذ منه شيئاً إلى زمان أبي العبّاس السفّاح فذكر له أمرُها، فبعث إليها خاله الربيِع بن زياد الحارثي عامله على اليمن، وأصحبه رجالاً من أهل الحزْم والجلد، حتى استخرج ما كان فيها من الآلات والأموال وخرَّبها حتى عفا رسمها وانقطع خبرُها، وكان الذي يُصيب من يريدها من الجنّ منسوباً إلى كُعيت وامرأته صنمان " على طريقة أساف ونائلة تأمل التقليد! " كانا بتلك الكنيسة بنيت عليهما فلما كسر كُعيت وامرأته أصيب الذي كسرهما بجذام فافتَتَن بذلك رَعاعُ اليمن.

(*) معجم البلدان لـ ياقوت الحموي باب القليس.

الواضح من كل هذا أن الديانة التي كانت غالبة على أهل اليمن قبل الإسلام وقبل ظهور النبي القرشي هى النصرانية وأنتشرت في اليمن الكثير من الكنائس والبيع والتي حاول المسلمون بعد محمد طمس كل أثر لنصرانية اليمن فقام أولي الأمر بهدم البيع والكنائس وخاصة بصنعاء فيقول الأبشيهي : كان عروة بن محمد يهدم البيع بصنعاء وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين. وشدد في ذلك عمر بن عبد العزيز وأمر أن لا يترك في دار الإسلام بيعة ولا كنيسة بحال قديمة ولا حديثة، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

(*) المستطرف للأبشيهي باب الفصل الثاني في أحكام أهل الذمة

خلاصة القول أنني لم أعثر خلال بحثي في نصرانية اليمن قبل محمد عن أي أثر للنصارى الذين ينكرون صلب المسيح ويقولون بصلب الشبيه لكنني خرجت بمفهوم جديد عن الرحمن الذي كان يقول به أهل اليمن قبل محمد ؛ ومسيحه الظافر وروحه القدوس وعلى ما يبدو أن الرحمن في لغة اليمن تعني الآب وقرينة ذلك ما نطقت به صخور اليمن "الرحمن وابنه المسيح الغالب". كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ 30 الرعد.

قُلِ ادْعُواْ الله أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً 110 الاسراء

وهنا نطقت حجارة اليمن بما حار فيه المفسرون فالرحمن هو الآب في لغة اليمن وأبنه المسيح الغالب الظافر وروحه القدوس والله هو إله عبد المطلب وإله قريش في الجاهلية فكيف يجمع محمد بين إله أهل الكتاب وإله عابد الصنم عبد المطلب وعاب عليه العرب في عصره وقالوا  أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ 5 "ص"

لكن المفسرين لا تغلبهم الحيلة فسيقولون أن الإسلام دين التوحيد. أي توحيد؟ هل هو توحيد الآلهة الوثنية مع الرحمن؟ وبذلك يصبح الإسلام دين التوحيد وليس دين الوحدانية.

إن إكتشاف كلمة الرحمن قبل الإسلام في كتابات على سد مآرب باليمن يستحق الدراسة المتأنية ؛ فكلمة الرحمن العلم لم ترد في القرآن على أمتداد 100 سورة ولكنها وردت فقط في 14 سورة وقرابة الـ 50 مرة ؛ منها فقط في سورة مريم وحدها 16 مرة ؛ وهى دلالة على أن هذه السورة كانت موجهة للنصارى الذين يقولون بالرحمن ؛ كما أنها وردت في القرآن المدني 3 مرات فقط بينما في القرآن المكي وردت 48 مرة. وهنا يطرأ سؤالا على رأسي له دلالات مهمة ؛ لماذا سكت محمد عن أستخدام الإله الرحمن في الفترة المدنية وأستخدمه بإسهاب في حقبة زمنية من الفرآن المكي؟  ويتجاذبك القرآن في الرحمن يمنة ويسرى فتارة يقول قل لو كان للرحمن ولدا فأنا أول العابدين وتارة يقول ما كان للرحمن أن يتخذ ولدا!!

نعم نحتاج دراسة معمقة للفظ الرحمن والظروف المحيطة به خاصة أن الرحمن كان يقول به مسيلمة قبل محمد ومسيلمة من بني حنيفة التي كانت تغلب عليهم النصرانية وتزوج من سجاح التغلبية " النصرانية كما ذكر أبن خلدون في تاريخه " وكانت تغلب على دين النصرانية مع الأخذ في الأعتبار الأتفاق الذي أقرت به بعض المراجع الإسلامية بين محمد ومسيلمة.

نصرانية العراق

إن الدارس لنصرانية العراق ليزهل من تجذر النصرانية في العراق وحجمها فتكاد كل مدن العراق تنطق بآثار النصرانية فيها وخاصة أديرتها المنتشرة من شمالها إلى جنوبها.

و ذكروا أن ابن ملجم قال قبل أن يضرب علياً قال الله تعالى و كان جالساً في بني بكر وائل إذ مر عليه بجنازة أبجر بن جابر العجلي أبي حجار ، وكان نصرانياً ، والنصارى حوله ، وأناس مع حجار لمنزلته فيهم يمشون في جانب وفيهم شقيق ابن ثور ـ فقال ابن ملجم : ما هؤلاء ؟ فأخبر الخبر ، فأنشأ يقول :

    لئن كان حجار بن أبجر مسلماً       لقد بوعدت منه جنازة أبجر

    و إن كان حجار بن أبجر كافراً       فما هذا من كفور بمنكر

    أترضون هذا أن قيساً و مسلماً       جميعاً لدى نعش فيا قبح منظر !

    فلولا الذي أنوى لفرقت جمعهم       بأبيض مصقول الدياس مشهر

      لكنى أنوى بذاك وسيلةإلى الله       أو هذا فخذ ذاك أو ذر

(*) تاريخ الأمم والملوك للطبري باب ذكر الخبر عن قنله " عليّ " ومقتله.

وهنا يذكر الطبري أن بن ملجم كان يجلس وكانوا النصارى حوله وهم من بنو عجل ولم يترك بنو عجل نصرانيتهم إلى أيام بني أمية فيقول الإمام أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني باب أخبار عبد الله بن الزبير ونسبه وكان شاعرا وكان يهجو حجار أبن أبجر بن جابر العجلي من أشراف أهل الكوفة فقرعه أبن الزبير قائلا:

ولكنهم النصارى سدت ومن يكـن  كذلك أهلٌ أن يسود بني عـجـل

ولكنهم كانوا لئامـاً فـسـدتـهـم  ومثلك من ساد اللئام بلا عـقـل

وعندك قسيس النصارى وصلبهـا  وغانيه صهباء مثل جنى النحـل

فغاظ هذا الشاعر بني عجل فهددوه بالقتل لهجوه سيدهم فقال أبن الزبير:

تهددني عجلٌ وما خلت أنـنـي  خلاةٌ لعجل والصليب لها بعل

وهنا يقرن أبن الزبير بين النصارى والقسيسين والصلبان التي أعتبرها أنها بعل للنصارى فكان الصليب له تلك المنزلة الرفيعة في الكوفة وفي النصارى الساكنين فيها فالصليب متأصل في هذه القبيلة قبل الإسلام وأستمر كذلك بعد الإسلام.

قال الزبيدي في تاج العروس باب ص-ل-ب:  الصَّلِيبُ: العَلم بفتح العَين واللامِ. قال النابغة:

ظَلَّت أَقَاطِـيع أَنْـعَـامٍ مُـؤَبّـلَةٍ         لَدَى صَلِيبٍ على الزَّوْرَاءِ مَنْصُوبِ 

والزَّورَاء: المَفازَة المَائِلة عن القصد والسمت. وقال الأَصمعِيّ: الزوراء هي الرصَافة، رصافة هِشَامِ، وكانت للنعمَان وَكَان والِيَها. وقِيلَ: سَمَّى النابغة العلم صَلِيباً لأَنه كان عَليه صَلِيب، لأَنه كَانَ نَصْرَانِيّاً.

(*) تاج العروس للزبيدي باب ص-ل-ب

في هذا البيت من الشعر يصف النابغة الذبياني في الجاهلية أن الصليب كان العلم والراية التي نصبها النعمان بن المنذر على الرصافة وكان النعمان يدين بالنصرانية ؛ فترى هل كانوا ينصبون صليب الخائن شبه المسيح أم أنه صليب المسيح الذي يفتخر به النصارى؟

ويضيف ياقوت الحموي في معجم البلدان باب الزوراء قال الأصمعي: وليس للزوراءِ ماء لكنهم أنما نصبوا الصليب تبركاً به.

ترى هل كان العرب قبل الإسلام ينصبون صليب الخائن أو الشبيه تبركا به؟ لا مجال أن عرب ما قبل الإسلام قد تباركوا بصليب المسيح ومن هنا أين هم النصارى الذين لم يكفرهم القرآن وأنهم يقولون في صلب المسيح كما يقول القرآن وأنهم متوحدين مع محمد في نفس الإله؟

ويقول المسعودي عن لمحات من خراب أديرة الحيرة: قد كان جماعة من خلفاء بني العباس- كالسفاح، والمنصور، والرشيد، وغيرهم- ينزلونها يَصِلُون المقام بها لطيب هوائها، وصفاء جوهرها، وصحة تربتها، وصلابتها، وقرب الخورنق، والنجف منها، وقد كان فيها ديارات كثيرة فيها رهبان، فلحقوا بغيرها من البلاد، لتداعي الخراب إليها، وأقفرت من كل أنيس في هذا الوقت ليس بها إلى الصدَى والبُوم، وعند كثير من أهل الدراية التامة بما يحدث في المستقبل من الزمان: أن سَعدها سيعود بالعمران، وأن هذا النحس عنها سيزول؛ وكذلك الكوفة.

(*) مروج الذهب للمسعودي باب خراب الحيرة.

وهنا يطلعنا المسعودي أن هناك أديرة كثيرة ونري عشرات العشرات من الأديرة التي ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان وجواد الطاهر على في المفصل في تاريخ العرب ويستطيع الإنسان أن يصل إلى أن سكان العراق بجملتهم كانت تغلب فيهم النصرانية وسادت وقد لا تخلو أيا من مدنها من الأديرة فقد ذكر جواد على بعض من هذه الأديرة فقال : قد عثر على آثار كنائس في خرائب الحيرة، وأشار أهل الأخبار إلى وجود الكنائس والبيع والأديرة في الحيرة. وذكر "ياقوت الحموي" أسماء عدد من الأديرة كانت بالحيرة أو بأطرافها وبالبادية، منها: "دير ابن برّاق " بظاهر الحيرة، و " دير ابن وضّاح" بنواحي الحيرة، وديارات ألأساقف، وهي جملة أديرة كانت بالنجف ظاهر الكوفة بحضرتها نهر الغدير، و"دير الأسكون". ودير الأعور، بظاهر الكوفة بناه رجل بن إياد يقال له الأعور من بني حذافة بن زهر بن إياد، ودير بني مرينا، بظاهر الحيرة عند موضع جفر الأملاك، ودير حنظلة، منسوب إلى حنظلة بن أبي عفراء بن النعمان وهو الذي بناه وترهب فيه حتى مات. ودير حنظلة بالحيرة،وهو منسوب إلى حنظلة بن عبد المسيح ين علقمة، ودير حنة، وهو بالحيرةّ كذلك بناه المنذر لقوم من تنوخ يقال لهم بنو ساطع ، ودير السوا بظاهر الحيرة يتحالفون عنده، ودير الشاء، ودير عبد المسيح وهو بظاهر الحيرة بموضع الجرعة بناه عبد المسيح بن عمرو بن بقيلة، ودير علقمة بالحيرة منسوب إلى علقمة بن عدي بن الرميك بن توب بن أسس بن دبي بن نمارة بن لخم، ودير قرة وهو دير بإزاء دير الجماجم بناه رجل اسمه قرة من بني حذافة ابن زهر بن إياد في أيام المنذر بن ماء السماء، ودير اللُجّ وهو بالحيرة بناه النعمان بن المنذر أبو قابوس، و "كان يركب في كل أحد اليه، وفي كل عيد، ومعه أهل بيته، خاصة من آل المنذر، عليهم حلل الديباج المذهبة، وعلى رؤوسهم أكاليل الذهب، وفي أوساطهم الزنانير المفصصة بالجوهر، وبين أيديهم أعلام فوقها صلبان.

ودير مارت "مارة" مريم. وهو دير قديم من أبنية آل المنذر بنواحي الحيرة بين الخورنق والسدير وبين قصر أبي الخصيب مشرف على النجف، ودير مار فايثون بالحيرة أسفل النجف، ودير مر عبدا بذات الأكيراح من نواحي الحيرة منسوب إلى مر عبدا بن حنيف بن وضاح اللحياني كان مع ملوك الحيرة، دير ابن المزعوق، وهو دير قديم بظاهر الحيرة، ودير هند الصغرى بنت النعمان بن المنذر المعروفة بالخَرقٌة، وكانت به قبور أهلها، بنته هند في ايام "خسرو أنو شروان" في زمنْ مار افريم الأسقف. وأما الدير إلمعروف بدير هند الأقدم، فنسب بناؤه إلى هند الكبرى، أم عمرو بن هند.

 (*) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد الطاهر علي الفصل التاسع والسبعون النصرانية بين الجاهليين.

هذه بعض الأديرة التي ذكرها الدكتور جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام وهى جزء قليل مما ذكره ياقوت الحموي في معجم البلدان والشابشتي في كتابه الديارت ؛ نعم إن المرء ليذهل من عدد وأسماء الأديرة بأرض العراق وعدد الرهبان الذين كانوا يقطنون بهذه الديارات حتى بعد دخول الإسلام وإجتياح بدو قريش لبلد الحضارة فتحولت معظم أديرته إلى خرائب. 

 جاء في خزانة الأدب للبغدادي: هند بنت النعمان، لها ديرٌ بظاهر الكوفة باقٍ إلى اليوم. ولما كان المغيرة بن شعبة الثقفي والياً بالكوفة من قبل معاوية - وكان أحد دهاة العرب - أرسل إلى هند بنت النعمان يخطبها، وكانت قد عميت، فأبت وقالت: والصليب ما في رغبة لجمال، ولا لكثرة مال، وأي رغبةٍ لشيخ أعور في عجوز عمياء ولكن أردت أن تفخر بنكاحي، فتقول: تزوجت بنت النعمان بن المنذر فقال: صدقت والله. وأنشأ يقول:

أدركت ما منيت نفسي خالـياً    لله درك يا ابنـة النـعـمـان

فلقد رددت على المغيرة ذهنه     إن المــلوك ذكـية الأذهـان

إني لحلفك بالصليب مصـدقٌ     والصلب أصدق حلفة الرهبان

  ولقد رددت على المغيرة ذهنه    إن الملوك بـطـيئة الإذعـان

يا هند حسبك قد صدقت فأمسكي  والصدق خير مقالة الإنـسـان

وروي أن المغيرة هذا أدمى ثمانين بكراً، ومات بالكوفة وهو أميرها، بالطاعون سنة خمسين. انتهى.

(*) خزانة الأدب لـ عبد القادر البغدادي باب الشاهد الثامن بعد الخمسمائة. كتاب الأغاني لأبو الفرج الأصفهاني باب ترهب هند بعد قتل عدي خطبها المغيرة بن شعبة فردته.

لقد ذكر البغدادي فضائل ومناقب الصحابي الجليل حبيب رسول الله ؛ فذكر أنه أفتض بكارة ثمانين بنتا عذراء وجاء ليتزوج بنت النعمان ؛ لكن ما أردت قوله ولم يقله البغدادي أن بنت النعمان كانت تعظم الصليب وتقسم به والمغيرة يعرف أن القسم بالصليب هو قسم صادق ؛ فهل هو صليب الخائن أو الشبيه أم هو صليب المسيح صليب الفداء صليب الخلاص؟ ولمعرفة الفارق بين المغيرة وهند أورد ما قاله يقوت الحموي في معجم البلدان عن دير هند الكبرى التي تربت هند الصغرى على مبادئها.

ديرُ هِندٍ الكُبَرى: وهو أيضاً بالحيرة بَنته هند أمُ عمرو بن هند وهي هند بنت الحارث بن عمرو بن حُجر آكل المُرَار الكندي وكان في صدره مكتوب بَنَتْ هذه البيعة هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر الملكة بنت الأملاك وأمُ الملك عمرو بن المنذر أمَةُ المسيح وأم عَبده وبنت عبيده في ملك ملك الأملاك خسرو أنوشروان في زمن مار افريم الأسقف فالإله الذي بَنت له هذا الدير يغفر خطيئتها ويترحم عليها وعلى ولدها ويقبل بها وبقومها إلى إقامة الحق ويكون الله معها ومع ولدها الدهر الداهر.

كان ميلاد ما أفرايم في السنوات الأولى من بداية القرن الرابع الميلادي فهي تقول أنها أمة المسيح أي عبدته وأبنها الملك عبده ووالديها عبيد المسيح أيضا ؛ لكن هل هناك أي وجه للمقارنة بين من تربوا في حضرة المصطفي ومن تربوا على مبادئ النصرانية؟ هل لي من تعليق على ما فعله المغيرة الأعور مع هند الراهبة العجوز المنقطعة للعبادة؟ ليس ليّ إلى ما قالته الجونية عندما دخل عليها النبي وقال لها هبي ليّ نفسك فقالت وهل تهب الملكة نفسها للسوقة ؛ ترى ألا يصلح أن أقولها للمغيرة وأمثاله.   

نصرانية الحبشة

 لن أخوض في متى دخلت النصرانية إلى الحبشة فهو ليس مبحثي لكن أريد أن أعرف موقف النصرانية في الحبشة من الصليب قبيل ظهور محمد لكي أعرف من هم النصارى الذين مدحهم النبي وقال أنهم متوحدون معه في نفس الإله ولهم أجرهم في الجنة ولا خوف عليهم وهم فوق الذين كفروا ولا يملكون دمعهم لدى سماعهم لرقة الفرآن.

ذكر كل كتاب سيرة محمد ومؤرخي الإسلام شعر عبد المطلب الذي يشير فيه إلى إعزاز الحبشة للصليب فقال عبد المطلب جد محمد شعرا عندما غزا ملك الحبشة الكعبة وكان هذا في العام الذي ولد فيه محمد ويذكر عبد المطلب أن راية ملك الحبشة كانت الصليب فقال عبد المطلب :

    اللهم إن العبد يمنع        رحلــه فامنع حـلالك

    لا يغلبن صليبهـم         وضلالهم عدوا محـالك

    فلئن فعلت فــربما      أولى فأمر ما بــدا لك

    و لئن فعلت فإنــه       أمـر تتـم به فعـالك

    جروا جموع بلادهم       والفيل كي يسبوا عيالك

    عمدوا حماك بكيدهم      جهلاً و ما رقبوا جلالك

و قال أيضاً:

    و كنت إذا أتى باغ بسلم        نرجى أن تكون لنـا كذلك

    فولوا لم ينالوا غير خزي       وكان الحـين يهلكهم هنالك

ولم أسمع بأرجس من رجال       أرادوا العز فانتهكوا حرامك

(*) تاريخ الطبري باب القسم الثاني ـ ذكر بقية خبر تبع أيام قباذ وزمن أنوشروان وتوجيه الفرس الجيش إلى اليمن لقتال الحبشة وسبب توجيهه إياهم إليها. تاريخ اليعقوبي باب ولد إسماعيل بن إبراهيم. أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار للأزرقي باب ذكر الفيل حين ساقته الحبشة. السيرة الحلبية للإمام برهان الدين الحلبي باب باب ذكر مولده صلعم وشرف وكرم. السيرة النبوية لأبن إسحاق باب حديث الفيل.الكامل في التاريخ لأبن الأثير باب ذكر أمر الفيل. الملل والنحل للشهرستاني الباب الثاني المحصلة من العرب علومهم. كتاب الحيوان للجاحظ باب قصة الفيل.

ويضيف السهيلي في الروض الأنف وأبن خلدون في تاريخه وغبرهما بيتا

وانصر على آل الصليب  وعابـديه الـيوم آلـك

لقد كان إيمان نصارى الحبشة مبني على الأفتخار بالصليب وأتخاذه رمزا وعلما وقد أتخذه أبرهه لواء له وراية عندما هاجم الكعبة وكان ذلك عام ولادة محمد ؛ ولقد مدح محمد إيمان النجاشي خليفة أبرهه وأثنى على إيمانه وعدالته فهل تغير إيمان نصارى الحبشة من تقديس الصليب والأفتخار به إلى إنكار الصليب وتكفير من يقول به أم هي من أفعال الناسخ والمنسوخ الذي تميز به محمد وكتابه من دون الأنبياء ومن دون كتب الله؟ أما هذا الشعر الذي يتوسل فيه عبد المطلب إلى ربه وناجاه بأن ينصر بيته ويذل "آل الصليب" وإن كان يدل على مدى تقديس نصارى الحبشة في عصر الجاهلية للصليب فهو يظهر على الجانب الأخر عقيدة عبد المطلب فهو وأهل مكة يطلق عليهم في الجاهلية أهل الله أو آل الله أو أهل الحرم لأن مكة كان يطلق عليها في الجاهلية البلد الحرام وموقف عبد المطلب من الصليب هو أنه ضلالة وأن النصارى في نظره هم عباد الصليب وهو نفس موقف محمد وكل المسلمين من بعده فتطابق موقف محمد من الصليب مع موقف عابدي الأوثان يشير إلى وحدة المصدر.

قال الإمام أبو الفرج في الأغاني :  طلب سيف بن ذي يزن الحميري مساعدة كسرى ملك الفرس وقصة تطول ... فجمع كسرى مستشاريه فأشاروا بإرسال 800 من المساجين لمحاربة الحبشة وإخراجهم من اليمن .. وأمر بهم كسرى فأحضروا المساجين فوجد ثمانمائة رجل، فولى أمرهم رجلاً معهم يقال له وهرز، وكان رامياً شجاعاً مع مكانة في الفرس، وجهزهم، وأعطاهم سلاحاً، وحملهم في البحر في ثماني سفن، فغرقت سفينتان، وبقي من بقي وهم ستمائة رجل؛ فأرسلوا إلى ساحل عدن، فلما ارسوا قال وهرز لسيف: ما عندك، فقد جئنا بلادك؟ فقال: ما شئت من رجل عربي وفرس عربي، ثم اجعل رجلي مع رجلك حتى نموت جميعاً أو نظهر جميعاً.

قال وهرز: أنصفت. فاستجلب سيف من استطاع من اليمن، ثم زحفوا إلى مسروق بن أبرهة، وقد سمع بهم مسروق وبتعبيتهم، فجمع إليه جنده من الحبشة، وسار إليهم، والتقى العسكران، وجعلت أمداد اليمن تثوب إلى سيف، وبعث وهرز ابناً له كان معه على جريدة خيل، فقال: ناوشوهم القتال، حتى ننظر قتالهم، فناوشهم ابنه، وناوشوه شيئاً من قتال، ثم تورط ابنه في هلكة لم يستطع التخلص منها؛ فاشتملوا عليه فقتلوه، فازداد وهرز عليهم حنقاً. وسيء العرب، وفرحت الحبشة، فأظهروا الصليب، فوتر وهرز قوسه، ... وأنقلبت المعركة وهزمت الحبشة وأمتلك الفرس على اليمن.

(*)كتاب الأغاني  لأبو الفرج الأصفهاني باب كسرى يعين سيفاً بجيش يقوده وهرز.

هذه المعركة كانت بعد واقعة الفيل التي جرت بين الحبشة وقريش وكانت تلك المعركة نهاية الحبشة في اليمن لكن فيها دلالة على أن الأحباش قبل الإسلام كانوا يتخذون الصليب علما وراية لهم في معاركهم.

ويضيف الطبري ويشير إلى مقبرة وهرز التي كانت ديرا باليمن فيقول : فلما حضرت وهرز الوفاة ـ و ذلك في آخر ملك أنوشروان ـ دعا بقوسه و نشابته ، ثم قال : أجلسوني ، فأجلسوه ، فرمى وقال: انظروا حيث وقعت نشابتي فاجعلوا ناؤوسي هناك ، فوقعت نشابته من وراء الدير ، وهي الكنيسة التي عند نعم ، وهي تسمى اليوم مقبرة وهرز.

(*) تاريخ الطبري باب ذكر مولد رسول الله صلعم.

وهنا يضيف لنا الطبري عن وجود أديرة باليمن في العصر الذي سبق ظهور محمد. كانت تلك لمحة عن موقع الصليب عند نصرانية الحبشة ؛ أين نصارى الحبشة الذين مدحهم محمد وقال أن عيونهم تفيض بالدموع عند سماعهم لقرآنه؟

وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ... وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (المائدة : 82-83)

        عن ابن عباس قال نزلت الآية في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم وهذا القول فيه نظر "غلط" لأن هذه الآية مدنية وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلعم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه قال السدي فهاجر النجاشي فمات بالطريق وهذا من إفراد " لم يقله غيره" السدي فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة وصلى عليه النبي صلعم يوم مات وأخبر به أصحابه وأخبر أنه مات بأرض الحبشة ثم اختلف في عدة هذا الوفد فقيل اثنا عشر : سبعة قساوسة وخمسة رهبان وقيل بالعكس وقيل خمسون وقيل بضع وستون وقيل سبعون رجلا فالله أعلم . وقال عطاء بن أبي رباح هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين وقال قتادة : هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة سواء كانوا من الحبشة أو غيرها.

       (*) تفسير أبن كثير

من هم النصارى الذين رقت قلوبهم للقرآن وآياته فغرقوا في دموعهم؟ هل هم نصارى الحبشة الذين يؤمنون بصلب المسيح ويتخذوا الصليب لهم علما وراية أم نصارى كانوا على دين عيسى الذي لم أجد له أثرا فسمعوا القرآن فبكوا حنانا ورقة أم هو النجاشي أم وفد النجاشي أم السبع قساوسة وخمسة رهبان أم سبعة رهبان وخمس قساوسة أم خمسون أم بضع وستون أم سبعون نصرانيا ؛ من هم أين أجد أثرهم؟ أما أبن جرير فطمس كل الأحاديث وقال هم صفة نصارى سواء كانوا من الحبشة أم غيرها. هل من وسط كل هذا التخبط والحيرة أستطيع أن أعرف من هم وأين هم وما كتاب هؤلاء النصارى الذين آمنوا بالقرآن ورقت قلوبهم له؟ النتيجة الوحيدة التي خرجت بها أن عقل المنطقة وقع ضحية لفكر هذه الأمة الأمية البدوية التي خرجت من جزيرة العرب وأغلقت أفواه المفكرين وكل من يعمل عقله !

أين هم النصارى الذين لا خوف عليهم ولهم أجرهم وأنهم يتوحدون مع محمد في نفس الإله ونفس المعتقد بتكفير كل من يقول بصلب المسيح ويؤمنون بصلب شبيه المسيح؟

نصرانية البحرين

قال الأبشيهي في المستطرف : حكي أن غلماناً من أهل البحرين خرجوا يلعبون بالصوالجة وأسقف البحرين قاعد، فوقعت الأكرة على صدره، فأخذها، فجعلوا يطلبونها منه فأبى، فقال غلام منهم: سألتك بحق محمد صلعم إلا رددتها علينا، فأبى لعنه الله وسب رسول الله صلعم، فأقبلوا عليه بصوالجهم، فما زالوا يخبطونه حتى مات لعنة الله عليه، فرفع ذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه فوالله ما فرح بفتح ولا غنيمة كفرحته بقتل الغلمان لذلك الأسقف، وقال: الآن عز الإسلام إن أطفالا صغاراً شتم نبيهم فغضبوا له وانتصروا وأهدر دم الأسقف، والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

(*) المستطرف للأبشيهي باب الفصل الثاني فيما جاء في الترخيص في المزاح والبسط والتنعم.

كان الجارود نصرانيا وهو أحد أفراد وفد عبد القيس " وفد البحرين " الذي زار النبي صلعم. ولقد نزح القرشيون من مال البحرين كجزية من اليهود والنصارى والمجوس ما لا عد له ولا إحصاء وهذا ما أشار إليه أبن سعد في طبقاته فقال : قال أخبرنا يزيد بن هارون ... عن أبي هريرة أنه قدم على عمر من البحرين قال أبو هريرة فلقيته في صلاة العشاء الآخرة فسلمت عليه فسألني عن الناس ثم قال لي ماذا جئت به؟ قلت جئت بخمسمائة ألف درهم ؛ قال هل تدري ما تقول ؛ قلت جئت بخمسمائة ألف درهم ؛ قال ماذا تقول؟ قال قلت مائة ألف مائة ألف مائة ألف مائة ألف مائة ألف حتى عددت خمسا ؛ قال إنك ناعس ؛ فارجع إلى أهلك فنم فإذا أصبحت فأتني ؛ فقال أبو هريرة فغدوت إليه ؛ فقال ماذا جئت به؟ قلت جئت بخمسمائة ألف درهم ؛ قال عمر أطيب؟ قلت نعم لا أعلم إلا ذلك ؛ فقال للناس إنه قد قدم علينا مال كثير ؛ فإن شئتم أن نعد لكم عددا وإن شئتم أن نكيله لكم كيلا.

(*) الطبقات الكبرى لـ أبن سعد باب ذكر استخلاف عمر رحمه الله.

لقد فقد عمر بن الخطاب عقله وصوابه عندما سمع بمال البحرين حتى أنه شك أن أبي هريرة تارة فاقد العقل وتارة شك بأنه لا يدري ما يقول وتارة بأنه ناعس وتارة مريض ؛ تلك هى الجزية التي قالوا أن تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم فكانت تنزح من البلاد المجاورة لتصب في جيوب القرشيين نعمة الدين التجارة ؛ ومن عجائب الزمان أن أهل البحرين الذين أذلهم القرشيون وأنتهبوا ثرواتهم ؛ هم أنفسهم الذين هدموا قدسية حجر القريشيين المقدس الحجر الأسود ومصدر رزقهم ؛ فمن البحرين خرج القرامطة في العام 317 هـ وأقتلعو الحجر الأسود يمين الله وغيبوه عن الكعبة أكثر من عشرين عاما بل وبالت خيولهم داخل الكعبة وقتلوا كثيرا من الحجاج داخل الكعبة والقوهم في بئر زمزم وقالوا وهم يسخرون من القرشيين أين طير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل‏؟‏ والكثير ممن ذكره أبن كثير في البداية والنهاية.

خلاصة القول أن البحرين كان فيها وجودا نصرانيا قويا فكان لها أسقف وربما أساقفة ؛ لكن هل توحد نصارى البحرين مع محمد وقرآنه في نفس الإله ونفس المعتقد من صلب الشبيه وتكفير من يقول بصلب المسيح؟ بكل تأكيد لا ... لأنه لو وجد بينهم من يقول بمثل قول محمد لكانت أخبار نصرانيتها طبقت وملأت كل كتب التاريخ الإسلامي وكتب المفسرين.

 نصرانية اليمامة 

قال أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي ... قال محمد بن سعد وأخبرنا علي بن محمد القرشي عن من سمى من رجاله قالوا قدم وفد بني حنيفة على رسول الله صلعم بضعة عشر رجلا فيهم رحال بن عنفوة وسلمى بن حنظلة السحيمي وطلق بن علي بن قيس وحمران بن جابر من بني شمر وعلي بن سنان والأقعس بن مسلمة وزيد بن عبد عمرو ومسيلمة بن حبيب وعلى الوفد سلمى بن حنظلة فأنزلوا دار رملة بنت الحارث وأجريت عليهم ضيافة فكانوا يؤتون بغداء وعشاء مرة خبزا ولحما ومرة خبزا ولبنا ومرة خبزا وسمنا ومرة تمرا نثر لهم فأتوا رسول الله صلعم في المسجد فسلموا عليه وشهدوا شهادة الحق وخلفوا مسيلمة في رحلهم وأقاموا أياما يختلفون إلى رسول الله صلعم وكان رحال بن عنفوة يتعلم القرآن من أبي بن كعب فلما أرادوا الرجوع إلى بلادهم أمر لهم رسول الله صلعم بجوائزهم خمس أواق كل رجل فقالوا يا رسول الله إنا خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يبصرها لنا وفي ركابنا يحفظها علينا فأمر له رسول الله صلعم بمثل ما أمر به لأصحابه وقال ليس بشركم مكانا لحفظه ركابكم ورحالكم فقيل ذلك لمسيلمة فقال عرف أن الأمر إلي من بعده ورجعوا إلى اليمامة وأعطاهم رسول الله صلعم إداوة من ماء فيها فضل طهور فقال إذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم وأنضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوا مكانها مسجدا ففعلوا وصارت الإداوة عند الأقعس بن مسلمة وصار المؤذن طلق بن علي فأذن فسمعه راهب البيعة فقال كلمة حق ودعوة حق وهرب فكان آخر العهد به وأدعى مسيلمة لعنه الله النبوة وشهد له الرجال بن عنفوة أن رسول الله صلعم أشركه في الأمر فافتتن الناس به.

(*)الطبقات الكبرى لـ أبن سعد باب ذكر وفادات العرب على رسول الله صلعم وفد حنيفة.

للحدث عدة دلالات منها أن بني حنيفة الساكنين في اليمامة كانت تتفشى فيهم النصرانية وكانت لهم بيعة ولهم راهب وربما رهبان وأديرة وأيضا هم من إرتدوا بعد موت محمد وأعمل فيهم خالد سيفه وكان فيهم مسيلمة الذي كان يعبد الرحمن قبل محمد. أما قول محمد بعد أن أعطاهم الماء الذي غسل به قدميه ويديه و ... أكسروا كنيستكم أو بيعتكم وطهروها من النجس بفضل ماء غسيل محمد ؛ أليس هذا من الأسباب التي تدفع كثير من المسلمين بالإعتداء على الكنائس والبيع ودور العبادة لغير المسلمين؟ اليس هى من الإسباب التي دعت عمر يضع في شروطه العمرية بمنع إظهار الصليب على الكنائس والبيع؟ اليس هذه الواقعة وغيرها هي التي دفعت عمر بن عبد العزيز يهدم البيع ؟ لكن تطل على رأسي تلك الآية : وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج: 40)

ترى لو كانت بيعة اليمامة تتفق مع محمد في نفس الإله ونفس المعتقد هل كان سيأمر بهدمها؟ ويذكر جواد طاهر على في تاريخ العرب قبل الإسلام أن المنقبين عثروا في اليمامة على كنيسة منحوتة في الصخر.

نصرانية الشام

لقد كانت النصرانية في الشام سائدة ولا تحتاج إلى دليل حيث أعتنق الآرميين من السريان والآشوريين والفنيقيين وغيرهم من الرومان الديانة النصرانية في عصورها الأولى لكن حديثي هنا عن العرب المهاجرة فلقد هاجرت كثيرا من القبائل العربية من جزيرة العرب بأتجاه الشمال تجاه الشام في القرون الأولي للمسيحية قبل الإسلام فمن القبائل العربية التي دانت بالنصرانية قبل الإسلام وأشهرها غسان في جنوب الشام وتنوخ في الشمال وتغلب في الشرق. وقد دانت بالنصرانية وأقامت عليها أساقفة وكان الأمير الغساني الحارث الثاني بن جبلة أعظم امراء آل جفنة، ولقّبوه " بالبطريق "  قال المسعودي في التنبيه والإشراف غزا رسول الله صلعم تبوك في رجب ... وبين تبوك والمدينة تسعون فرسخاً وذلك مسيرة اثنتي عشرة ليلة وكان معه في هذه الغزاة ثلاثون ألفاً والخيل عشرة آلاف والإبل اثنا عشرين ألف بعير ويسمي جيش العسرة وأن النبي صلعم بعث من هناك خالد بن الوليد المخزومي إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي صاحب دومة الجندل " الجوف " فأخذه أسيراً وفتح الله عليه دومة وجاءه وهو بتبوك جاءه أسقف أيلة يحنة " يوحنا" بن روبة فصالحه على أن على كل حالم بها ديناراً في السنة.

(*)التنبيه والإشراف للمسعودي باب غزوة تبوك.

ذكر الواقدي في المغازي قال: حدثني يعقوب بن محمد الظفري، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: رأيت أكيدر حين قدم به خالد وعليه صليب من ذهب وعليه الديباج ظاهر.

(*) المغازي للواقدي باب غزوة أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل في رجب سنة تسع، وهي على عشرة أميال من المدينة.

قال أبن كثير في السيرة النبوية قال الواقدي : وفيها في ذي الحجة منها بعث رسول الله صلعم ستة نفر مصطحبين حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الاسكندرية . وشجاع بن وهب ابن أسد بن جذيمة شهد بدرا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني يعني ملك عرب النصارى.

(*) السيرة النبوية لـ أبن كثير باب فصل فيما وقع من الحوادث في سنة ست من الهجرة.

ويطلعنا الواقدي على حجم نصارى العرب الذين تصدوا لخالد بن الوليد عندما هاجم الشام فقال: عندما وصلت جيوش الروم إلى اليرموك نزلوا بدير يقال له دير الجبل وهو بالقرب من الرمادة والجولان وجعلوا بينهم وبين عسكر المسلمين ثلاثة فراسخ طولا وعرضًا فلما تكاملت الجيوش باليرموك أشرفت سوابق الخيل على أصحاب رسول الله صلعم وكان جبلة بن الأيهم في المقدمة في ستين ألف فارس من العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام.

(*) فتوح الشام للواقدي باب ضرار بن الأزور رضى الله عنه.

60000 فارس من العرب النصارى تصدوا لخالد أبن الوليد في غزوه للشام وفي موقعة اليرموك يدل على حجم النصرانية العربية في الشام في بداية غزو الإسلام للدول المجاورة ؛ كما يورد الواقدي حوارا بين خالد بن الوليد وجبلة قائد نصارى العرب ونرى من حوار خالد مدى إهانته للصليب:

قال الواقدي‏:‏ فزاد غضب جبلة من كلام خالد وقال له‏:‏

ستعلم أن كلامك عليك ميشوم إذا دارت بك الأسنة وبقيت أنت ومن معك طعامًا للوحوش في هذه الفلاة تمزقكم بكرة وعشيًا فقال له خالد‏:‏ ذلك لا يكثر علينا وهو سهل لدينا‏. فأنت من العرب التي قد نسبت لعبادة الصليب فقال‏ جبلة:‏

أنا سيد بني غسان ومن ملوك همدان أنا ملك غسان وتاجها أنا جبلة بن الأيهم فقال خالد‏:‏

أنت المرتد عن دين الإسلام ومن اختار الضلالة على الهدى وسلك سبيل الغي وضل وغوى فقال جبلة‏:‏

لست كذلك أنا الذي اخترت العز على الذل والهوان ...

(*) فتوح الشام باب ضرار بن الأزور رضى الله عنه.

من الحوار نرى مدى ترديد خالد لمقولات محمد من أن النصارى يعبدون الصنم أو الوثن وهو الصليب أما من الناحية الأخرى فقول جبلة بن الأيهم يدل على إعتزازه بالنصرانية ويطلعنا الواقدي في فتوح الشام باب " قال الواقدي نسبت تلك السرية لثلاث " بأن شعار الغساسنة في الحرب كان يدل على إعتزازهم بالصليب فكانوا يرددون الشعار القائل " نحن بنو غسان من حزب الصليب والرهبان‏ "

يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدات أديرة لا عد لها ولا حصر تحت باب دير حتى أن الإنسان يستطيع أن يجزم أنه لم توجد مدينة في الشام إلا وكان فيها ديرا للنصارى نذكر منها:

ديرُ صَلِيبا: بنواحي دمشق مقابل باب الفراديس ويعرف بدير خالد أيضاً لأن خالد بن الوليد رضي الله عنه لما نزل محاصراً لدمشق كان نزوله به، وفيه يقول أبو الفتح محمد بن علي المعروف بأبي اللقاء:

جنةَ لقـبـت بـدير صـلـيبـا      مبدعاً حسنه كـمـالا وطـيبَـا

لست أنسى ما مـر فـيه ولا أج       علُ مدحي إلا لـدير صـلـيبـا

إن إطلاق أسم الصليب على الدير هو دلالة على أن نصارى عرب الشام قبل الإسلام كانوا يسمون رهبانهم وأبنائهم بإسم الصليب فلا يمكن أن يكون صليب الخائن أو صليب الشبيه فمن المحال أن يسمي مسلم أبنه لبيد أبن الأعصم أو أبي لهب فإن دل على شئ فهو يدل على إعزاز عرب ما قبل محمد للصليب.

ديرُ بصرَى: بضم أوله وسكون الصاد المهملة وبه كان بحيرا الراهب الذي بشر بالنبي صلعم وقصته مشهورة، وحكى المازني أنه قال دخلت دير بصرى فرأيتُ في رهبانه فصاحة وهم عرب متنصرة من بني الصادر وهم أفصح من رأيت.

وهنا أوضح لنا ياقوت الحموي أن من بين عشرات الأديرة التي كانت بالشام كان أحد أديرتها يسمى بأسم الصليب. وأن بصرى الشام كان بها أديرة منها دير بحيرا وكان رهبانه أفصح العرب !. أين هم النصارى الذين توحدوا مع محمد في نفس الإله ونفس الموقف من الصليب والصلب ؛ بحثت فما وجدت أحدا ينكر صلب المسيح ؛ هل وجد أحدا ولو نصراني واحد قال كما قال محمد وقرآنه؟ في كل كتب التاريخ الإسلامي والتفاسير والأحاديث لم أجد ؛ هل يستطيع شيوخنا وعلماؤنا أن يدلوني على واحدا في الشام أو غير الشام قال بمثل ما قال محمد؟ ستهربون إلى كتب التاريخ النصرانية لتأتوا بفرقة ضالة ولا تأخذوا بموقف إجماع النصارى وبراهينهم وأدلتهم التي تدحض فكر تلك الفرقة الضالة.

قال أبن سعد في الطبقات الكبرى:

  قال أخبرنا محمد بن عمر الأسلمي قال حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال قدم على رسول الله صلعم وفد بني تغلب ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب " صلبان من ذهب" فنزلوا دار رملة بنت الحارث فصالح رسول الله صلعم النصارى على أن يقرهم على دينهم على أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم.

(*) الطبقات الكبرى لـ أبن سعد باب ذكر وفادات العرب على رسول الله صلعم وفد تغلب.

ولمعرف تغلب كقبيلة من العرب يجب أن نعرف أنه قيل لو أبطأ الإسلام ، لسادت تغلب العرب فمساكن تغلب اليمامة، ولكن علقمة بن سيف التغلبي نزح بأكثر تغلب وأنزلهم الجزيرة الفراتية، وبقيت بقية تغلب في مساكنهم في اليمامة فتغلب تمتد نزوحا إلى الشام شمالا وإلى اليمامة جذورا. لكن من وضعهم لصلبان الذهب في أعناقهم وفرض الجزية عليهم له دلالته أنهم كانوا نصارى يعظمون الصليب ويجلوه فأين هم النصارى الذين مدحهم النبي ثم أنقلب عليهم فليس من المعقول أن يكون عباد الصليب أو الوثن كما يدعوهم محمد وكل من جاء بعده ويقبل محمد عبادتهم للوثن مقابل أن يدفعوا الرشوة لمحمد!

ولقد أستمر بني تغلب على نصرانيتهم بعد الإسلام وإستمر خلفاء محمد بمحاولات إقتلاع نصرانيتهم بالنهج الذي رسمه لهم محمد.

حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن هانئ، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن زياد ابن جرير الأسدي، قال: قال عليّ: لئن بقيت لنصارى بني تغلب لأقتلن المقاتلة ولأسبين الذرية، فإني كتبت الكتاب بين النبي صلعم وبينهم على أنهم لا ينصروا أبناءهم.

(*) الحلية لأبي نعيم باب زياد بن جرير الأسلمي.

لقد توعد عليّ أبن أبي طالب بأن لو طال به الزمان لقتل رجال بني تغلب وسبى ذريتهم لا لشئ إلا لأنهم أستمروا على نصرانيتهم وكانوا يعمدون أبنائهم أو ينصرونهم وموقف عليّ كرم الله وجهه هو من باب إحترام الإسلام للديانات السماوية وخاصة النصارى منهم!.

أما  "بكر بن وائل" فكانت قبيلة كبيرة تماثل تغلب في القوة وكانت على النصرانية وكانت ساكنة في جزيرة الشام وإليها نسبت ديار بكر. وقبيلة بكر بن وائل ومعها بني عجل خاضوا مع الفرس معركة أليس ضد خالد بن الوليد وذبح منهم سبعين ألف وأجرى نهرا بدمائهم وفاء لنذره لله.

نصرانية غزة

قال أخبرنا زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي قال حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن أبي عبد الله الأيلي قال جاء اسقف غزة الى النبي صلعم بتبوك فقال يا رسول الله هلك عندي هاشم وعبدالشمس وهما تاجران وهذه اموالهما قال فدعا النبي صلعم عباسا فقالا قسم مال هاشم على كبراء بني هاشم ودعا أبا سفيان بن حرب فقال اقسم مال عبد الشمس على كبراء ولد عبد الشمس.

(*) الطبقات الكبرى لـ أبن سعد باب الطبقة الثانية من المهاجرين والأنصار.

نعم كان لغزة أسقف وربما أساقفة على عهد النبي وبالتأكيد قبله وبعده ؛ فيذكر الواقدي في فتوح الشام باب إقبال الجند أن هرقل عندما سمع يمهاجمة العرب للملكته جرد ثمانية آلاف من أشجع فرسانه وأمر عليهم خمسة من بطارقتهم وهم البطاليق وأخوه جرجيس وصاحب شرطته ولوقا بن سمعان وصليب بن حنا صاحب غزة وكانت هذه الخمس البطارقة يضرب بهم المثل في الشجاعة والبراعة ثم تدرعوا وأظهروا زينتهم وصلت عليهم الأمة صلاة النصر‏ ... واستنصروا بالصليب.‏

وهنا كانت غزة نصرانية ولها أساقفة وكان أسم الصليب من الأسماء التي تسموا بها وأتخذوها لهم الصليب علما وراية.

نعم إن ما توصلت إليه في بحثي أن النصرانية كانت تتجذر في العرب في مواطنهم أو في دار هجرتهم وكذلك كانت النصرانية منتشرة في كل الدول والممالك المحيطة بجزيرة العرب ومنها بلاد الروم والحبشة ومصر وكلها كانت تعظم الصليب ولم أجد فيها أثرا لأي جماعة تقول بصلب الشبيه وتنكر صلب المسيح وتكفر من يقول به وتتوحد مع محمد في نفس الإله ؛ وهنا سأورد قول الجاحظ في رسائله رغم معرفتي بالجهل والغباء المفطور عليه الكثير من شيوخنا وعلمائنا والجبن والنفاق المفطور عليه كتابنا ومثقفينا فسينهالون سبا وتكفيرا للجاحظ لا أن يفندوا ما قاله ؛ لكنني أقول لهم جميعا إن كلام الجاحظ في هذا الصدد ليس حديث دين أو عقيدة ولا يحل فيه حراما أو يحرم فيه حلالا ؛ وليس حديثا ينتصر فيه لأهل البيت على السنة والجماعة ؛ أو يقلل من قدر الصحابة أو يعلي الشيعة على السنة ؛ بل هو حديث تاريخ وبحث وهو المجال الذي تضيق به عمائم شيوخنا ويحتاج عقلا لاتقيده عمامة أو عقال ؛ نعم حديث لا يثقل بالدولارات جيوب مثقفينا وكتابنا فهم عنه لاهون ؛ ولا يحشد جماهير غوغائنا لفضائياتنا المتاجرة بدماء شعوبنا ؛ فالكل ينفر منه ؛ لكن ماذا قال الجاحظ في رسائله:

أن الإسلام جاء وملوك العرب رجلان‏:‏ غساني ولخمي وهما نصرانيان وقد كانت العرب تدين لهما وتؤدي الإتاوة لهما فكان تعظيم قلوبهم لهما راجعاً إلى تعظيم دينهما‏.‏

وكانت تهامة وإن كانت لقاحاً لا تدين الدين ولا تؤدي الإتاوة ولا تدين للملوك فإنها كانت لا تمتنع من تعظيم ما عظم الناس " أي النصرانية " وتصغير ما صغروا‏.‏

ونصرانية النعمان وملوك غسان مشهورة في العرب معروفة عند أهل النسب ولولا ذلك لدللت عليها بالأشعار المعروفة والأخبار الصحيحة‏.‏

وقد كانت " قريش "  تتجر إلى الشام وينفذ رجالها إلى ملوك الروم ولها رحلة في الشتاء والصيف في تجارة مرة إلى الحبشة ومرة قبل الشام ومرة بيثرب ومصيفها بالطائف ... وذلك مشهور مذكور في القرآن وعند أهل المعرفة‏.‏

وقد كانت تهاجر إلى الحبشة وتأتي باب النجاشي وافدة فيحبوهم بالجزيل ويعرف لهم الأقدار ولم تكن تعرف كسرى ولا تأنس بهم‏.‏

وقيصر والنجاشي نصرانيان فكان ذلك أيضاً للنصارى دون اليهود‏.‏

ويقول الجاحظ : أن العرب كانت النصرانية فيها فاشية وعليها غالبة إلا مضر " قبيلة محمد" فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية ولم تفش فيها النصرانية إلا ما كان من قوم منهم نزلوا الحيرة يسمون‏:‏ العباد فإنهم كانوا نصارى وهم مغمورون مع نبذ يسير في بعض القبائل‏.‏

ولم تعرف مضر إلا دين العرب ثم الإسلام‏.‏

وغلبت النصرانية على ملوك العرب وقبائلها‏:‏ على لخم وغسان والحارث بن كعب بنجران وقضاعة وطي في قبائل كثيرة وأحياء معروفة‏.‏

ثم ظهرت في ربيعة فغلبت على تغلب وعبد القيس وأفناء بكر ثم في آل ذي الجدين خاصة‏.‏

فعطف قلوب دهماء العرب على النصارى الملك الذي كان فيهم والقرابة التي كانت لهم‏.‏

(*) رسائل الجاحظ باب  فصل من صدر كتابه في الرد على النصارى.

نعم لقد أجمل الجاحظ وهو من هو وأتفق مع كل ما توصلت إليه في بحثي وذكرت موقولته لأخرس به ألسنة المضللين والذين سيتهمونني كذبا بالهوى أو بالكيد والحقد على الإسلام تلك التهمة التي ما نجى منها باحث نزيه فالبحث كلمة خارج قاموس شيوخنا وديننا فنحن أمة النقل لا العقل.

 

 

 

 

 

 

 

 

   الصراع على خشبة الصليب ونفاق محمد

لقد كان لخشبة الصليب منزلة عظيمة في قلوب النصارى على مر العصور وقبل ظهور الإسلام بردح طويل من الزمن يعود حتى إلى أيام حواريّ المسيح ؛ ووصل الأمر في الصراع على خشبة الصليب أشده بين مملكتي الروم والفرس ؛ فكان الفرس في هجومهم على مملكة الروم يهدفون أساسا إلى أنتزاع خشبة صليب المسيح ؛ وكانت جيوش الروم تسير للهجوم على مملكة فارس لأسترداد خشبة الصليب ؛ وعندما كان الروم يستردون خشبة الصليب ؛ تعم الفرحة العارمة مملكة الروم التي تدين بالنصرانية ؛ وكانت الفرحة أيضا تعم عرب الجاهلية المتحالفين مع مملكة الروم ؛ ولم يختلف الأمر في الإسلام ؛ وهذا لم يثر فقط عجبي بل فجيعتي ؛ فتساءلت كيف يفرح النبي والمسلمون بأسترداد خشبة الصليب ؛ وكيف يفروحون لفرح الكفار الروم ؛ أليس الكفر ملة واحدة؟ ومن الجدير بالذكر والذي سآتي عليه لاحقا أن محمدا قال أن الصليب وثن أي صنم وسيدخل به النصارى النار وسيكون رايتهم إليها بل وتطاول البعض وقرنه بالقازورات وفرج المرأة ؛ فكيف يفرح محمد والمؤمنون بأسترداد الصنم وعودته للنصارى الكفار الذين يجلّون ويعظمون الصنم؟ نعم لقد كانت صدمة قاسية ولم أسترد أنفاسي من صدمتي حتى طرأ على رأسي سؤال ؛ أجابته تحتاج نفاقا أكثر وكأن النفاق أصبح هو كل ما ورثناه عن النبي ؛ والسؤال ما هو موقفنا نحن المسلمون من النصارى؟ أن حديث كل شيوخنا بدون أستثناء يقولون في العلن أن النصارى هم أهل كتاب وحلال لنا الزواج من نساء أهل الكتاب وهم الأقرب مودة ونحن مأمورون بالمجادلة معهم بالحسنى وأن نقسط إليهم ونبرهم ونحن نحب ونحترم سيدنا عيسى المسيح ؛ أما المخفي فالنصارى كفار عباد الصليب يحل لنا نهب وسلب أموالهم وإغتصاب نسائهم وكتب الله عليهم الذلة والمسكنة فوجب إذلالهم ؛ نعم كله مباح ؛ هل هناك نفاق أكثر من ذلك وحتى لا يتهمني أحد بالتجني سأورد ما جاءت به كتب التاريخ وكتب المفسرين وكتب الأحاديث وحتى القرآن.

يقول أبن الأثير : يقول المؤرخون المسلمون أن الروم خلعوا ملكهم موريق بعد أربع عشرة سنة من ملك أبرويز وقتلوه وملكوا عليهم بطريقاً اسمه فوقاس، فأباد ذرية موريق سوى ابن له هرب إلى كسرى أبرويز، فأرسل معه العساكر وتوجه وملكه على الروم وجعل على عساكره ثلاثة نفر من قواده وأساورته، وأما أحدهم فكان يقال له بوران، وجهه في جيش منها إلى الشام، فدخلها حتى انتهى إلى البيت المقدس فأخذ خشبة الصليب التي تزعم النصارى أن المسيح، عليه السلام، صلب عليها فأرسلها إلى كسرى أبرويز، وأما القائد الثاني فكان يقال له شاهين، فسيره في جيش آخر إلى مصر، فافتتحها وأرسل مفاتيح الإسكندرية إلى أبرويز، وأما القائد الثالث، وهو أعظمهم، فكان يقال له فرخان، وتدعى مرتبته شهربراز، وجعل مرجع القائدين الأولين إليه، وكانت والدته منجبة لا تلد إلا نجيباً، فأحضرها أبرويز وقال لها: إني أريد أن أوجه جيشاً إلى الروم استعمل عليه بعض بنيك فأشيري علي أيهم أستعمل. فقالت: أما فلان فأروغ من ثعلب وأحذر من صقر، وأما فرخان فهو أنفذ من سنان، وأما شهربراز فهو أحلم من كذا. فقال: قد استعملت الحليم، فولاه أمر الجيش، فسار إلى الروم فقتلهم وخرب مدائنهم وقطع أشجارهم وسار في بلادهم إلى القسطنطينية حتى نزل على خليجها القريب منها ينهب ويغير ويخرب، فلم يخضع لابن موريق أحد ولا أطاعه، غير أن الروم قتلوا فوقاس لفساده وملكوا عليهم بعده هرقل، وهو الذي أخذ المسلمون الشام منه.

(*) الكامل في التاريخ لأبن الأثير. تاريخ الطبري باب ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز. المنتظم في التاريخ أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الجزء الثاني باب ذكر الحوادث التي كانت في سنة خمس وعشرين من مولده صلعم.

وهنا يشير كل هؤلاء المؤرخون أن كسرى أبرويز بن هرمز كان قد أحتمى بملك الروم قبل أن يملك على الفرس ويشير الطبري أن في سنة اثنتين وثلاثين من مولد النبي صلعم خلع الروم ملكهم موريق ولجاء أبن موريق إلى كسرى أبرويز فأرسل معه جيش وأقامه ملكا على الروم وأخذ صليب المسيح إلى فارس. ثم طالب ملك الروم من كسرى أبرويز أن يرد له خشبة صليب المسيح لكن كسرى رفض.

فيقول الطبري في تاريخه أن شيرويه وأسمه قباذ أنقلب على أبيه كسرى أبرويز  وسجنه في دار مارسفند وأرسل له رسالة يعدد فيها مثالب أبيه كسرى وأخطائه فيقول الطبري: ومنها إساءتك كانت بمن خلدت السجون منذ دهر ، حتى شقوا بشدة الفقر وضيق المعاش والغربة عن بلادهم وأهاليهم وأولادهم. ومنها سوء نظرك في استخلاصك كان لنفسك من النساء وتركك العطف عليهن بمودة منك والصرف لهن إلى معاشرة من كن يرزقن منه الولد والنسل ، وحبسك إياهن قبلك مكرهات. ومنها ما أتيت إلى رعيتك عامة في اجتبائك إياهم الخراج ، وما انتهكت منهم في غلظتك وفظاظتك عليهم. ومنها جمعك الأموال التي اجتبيتها من الناس في عنف شديد ، واستفاد منك إياهم ، وإدخالك البلاء والمضار عليهم فيه. ومنها تجميرك من جمرت في ثغور الروم و غيرهم من الجنود ، وتفريقك بينهم وبين أهاليهم . وفيها غدرك بموريق ، ملك الروم ،وكفرك إنعامه عليك فيما كان من إيوائه إياك ، وحسن بلائه عندك ، ودفعه عنك شر عدوك ، وتنويهه باسمك في تزويجه إياك أكرم النساء من بناته عليه ، وآثرهن عنده ، واستخفافك بحقه ، وتركك إطلابه ما طلب إليك من رد خشبة الصليب ، التي لم تكن بك ولا بأهل بلادك إليها حاجة.

(*) تاريخ الطبري باب ذكر ملك شيرويه بن أبرويز. الكامل في التاريخ لأبن الأثير.

 

ثم يواصل الطبري الأحداث فيذكر بنت كسرى التي تدعى بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان والتي تولت بعد شهريراز أنها كانت على خلق وصححت مثالب أبيها فردت خشبة الصليب لأصحابها فيقول الطبري: ثم ملكت بوران بنت كسرى أبرويز بن هرمز بن كسرى أنو شروان ، فذكر أنها قالت يوم ملكت : البر أنوى وبالعدل آمر ، وصيرت مرتبة شهر براز لفسفروخ ، وقلدته وزارتها ، وأحسنت السيرة في رعيتها ، وبسطت العدل فيهم ، وأمرت بضرب الورق وردم القناطر والجسور ، ووضعت بقايا بقيت من الخراج على الناس عنهم ، وكتبت إلى الناس عامة كتباً أعلمتهم ما هي عليه من الإحسان إليهم ، وذكرت حال من هلك من أهل بيته المملكة ، وأنها ترجو أن يريهم الله من الرفاهة والاستقامة بمكانها ما يعرفون به أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد ، ولا ببأسهم تستباح العساكر ، ولا بمكايدهم ينال الظفر وتطفأ النوائر ، ولكن كل ذلك يكون بالله عز وجل ، وأمرتهم بالطاعة وحضتهم على المناصحة ، وكانت كتبها جماعة لكل ما يحتاج إليه ، وإنها ردت خشبة الصليب على ملك الروم مع جاثليق يقال له إيشوعهب . وكان ملكها سنة وأربعة أشهر .

(*) تاريخ الطبري باب ذكر ملك بوران بنت كسرى أبرويز

هذه كل الأخبار الواردة عن الصراع بين مملكتي فارس والروم على خشبة الصليب في فترة محمد لكنها كانت مقدمة ومدخلا ضروريا لبيان صدمتي ليس فقط من أن صليب المسيح كان موجودا بين يدي النصارى والفرس حتى في عصر النبي بل كانت صدمتي كيف يفرح النبي والمسلمون بنصر الروم على الفرس وأستردادهم خشبة الصليب ؛ أليس الكفر ملة واحدة؟ كيف يفرح النبي بعودة الصليب للنصارى حتى لو كانوا أهل كتاب فإذا كان القرآن يقول بضلالتهم في الإيمان بصلب المسيح وأحاديث النبي تقول بأن الصليب وثن وصنم بل وقال بعضهم أن الصليب مثل فرج المرأة والنظر إليه يؤدي إلى العمى وأنه مثل القذر ؛ كيف يفرح النبي والمسلمون بعودة الصليب؟ نعم إنه النفاق المحمدي والذي يحتاج إلى توطئة لفهمه.

توطئة للنفاق المحمدي

لم يدخر محمدا وسعا في مغازلة كل الديانات في جزيرة العرب أبتداء بأهل الكتاب وحتى بعابدي الأصنام فقد سلك محمد كل الطرق لكي يجمع حوله العرب كل العرب أو حتى غير العرب بنفاق مفضوح هو أبعد ما يكون عن أسلوب السماء والأنبياء وكلام الله القاطع بل هو أسلوب السياسيين الساعين إلى الملك والسيطرة وكان من بين من غازلهم ونافقهم محمد أهل الكتاب:

عن ابن عباس اول ما نسخ من القران فيما يذكر لنا والله اعلم شأن القبلة فاستقبل صلعم بيت المقدس أي بمكة والمدينة ثم صرفه الله تعالى الى الكعبة .... ان الركعتين اللتين كان يصليهما النبي والمسلمون بالغداة وبالعشى قبل فرض الصلوات الخمس كانتا لبيت المقدس فقد كان يصلي هو واصحابه الى الكعبة ووجوههم الى بيت المقدس فكانوا يصلون بين الركنين اليماني والذي عليه الحجر الاسود لاجل استقبال بيت المقدس

ثم لما قدم المدينة صار يستقبل بيت المقدس ويستدبر الكعبة الى وقت التحويل ....

فلما هاجر امره الله تعالى ان يصلي نحو صخرة بيت المقدس أي يستمر على ذلك ويستدبر الكعبة ثم امره الله باستقبال الكعبة واستدبار بيت المقدس ... وكان امره بمداومة استقبال بيت المقدس ليتالف اهل الكتاب لانه كان ابتداء الأمر يحب ان يتألف اهل الكتاب فيما لم ينه عنه ... قال بعضهم كان صلعم قبل فتح مكة يحب موافقة اهل الكتاب فيما لم ينه عنه وبعد الفتح يحب مخالفتهم لجواز ان يكون ذلك اغلب احواله وقد يؤخذ من ان استدامة استقباله لبيت المقدس كان لتالف اهل الكتاب ...

وحاصل الجواب انه امر بذلك او وفق اليه لانه سيصير الى قوم قبلتهم بيت المقدس ففيه تاليف لهم .

(*) السيرة الحلبية باب تحويل القبلة

في ضعف محمد قبل الهجرة لم يخف الحلبي وغيره من الأئمة أن النبي كان يغازل اليهود وينافقهم حتى أنه صلى إلى قبلتهم أما عندما قويت شوكة محمد ودخل مكة أنقلب عليهم وبعد أن كان يحب موافقتهم أصبح يحب مخالفتهم. ويستمر مسلسل نفاق محمد لليهود وقبلتهم فيقول أبو ذر وغيره من المحدثون:

وعن أبي ذر قال قلت لرسول الله صلعم أيُ مسجد وُضع على وجه الأرض أولاً قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال البيت المقدس وبينهما أربعون سنة، وروي عن أبي بن كعب قال أوحى الله تعالى إلى داود ابنِ لي بيتاً قال يا رب وأين من الأرض قال حيث ترى الملك شاهرأ سيفه فرأى داود ملكاً على الصخرة واقفاً وبيده سيف، وعن الفضيل بن عياض قال لما صُرفت القبلة نحو الكعبة قالت الصخرة إلهي لم أزل قبلة لعبادتك حتى بعثت خير خلقك صرفت قبلتهم عني قال ابشري فإني واضع عليكِ عرشي وحاشر إليكِ خلقي وقاضٍ عليك أمري، وناشر منك عبادي، وقال كعب من زار البيت المقدس شوقأ إليه دخل الجنة ومن صلى فيه ركعتين خرج عن ذنوبه كَيوم ولدَته أمه واعطى قلباً شاكراً، ولساناً ذاكراَ، ومن تصدق فيه بدرهم كان فداءه من النار ومن صام فيه يوماً واحداً كتبت له براءة من النار، وقال كعب معقِل المؤمنين أيام الدجال البيت المقدس يحاصرهم فيه حتى يأكلوا أوتار قِسِيهم من الجوع فبينما هم كذلك إذ سمعوا صوتاَ من الصخرة فيقولون هذا صوت رجل شبعان فينظرون فإذا عيسى ابن مريم عليه السلام فإذا رآه الدجال هرب منه فيتلقاه بباب لد فيقتله، وقال أبو مالك القرَظي في كتاب اليهود الذي لم يُغير إن الله تعالى خلق الأرض فنظر إليها وقال أنا واطيء: على بقعتك فشمخت الجبال ُوتواضعت الصخرة فشكرَ الله لها وقال هذا مقامي وموضع ميزاني وجنتي وناري ومحشر خلقي وأنا ديان يوم الدين.

(*) معجم البلدان لـ ياقوت الحموي باب مقدس.

هل رأيتم صخرة بيت المقدس قبلة اليهود والتي مسحها عمر بثوبه فكنس عنها القمامة بردائه وطهرها من الأخباث والأنجاس ، وأقام عندها مسجده المشهور والباقي إلى اليوم. نعم لقد قال عنهم في القرآن ما لم يقله مالك في الخمر فهم بني إسرائيل الذي أنعم الله عليهم وفضلهم على العالمين وفيهم الحكم والنبوة ؛ ثم أنقلب عليهم فضرب رقابهم وخد لهم الأخدود وطمرهم فيه. لم يقف نفاق محمد عند هذا الحد بل تخطاه ونافق عابدي الأحجار وهذا ما قاله عمر:

* حدثنا سعيد بن ابي مريم، اخبرنا محمد بن جعفر، قال اخبرني زيد بن اسلم، عن ابيه، ان عمر بن الخطاب قال للركن اما والله اني لاعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا اني رايت النبي صلعم استلمك ما استلمتك‏.‏ فاستلمه، ثم قال فما لنا وللرمل انما كنا راءينا به المشركين، وقد اهلكهم الله‏.‏ ثم قال شىء صنعه النبي صلعم فلا نحب ان نتركه‏.‏

 (*) صحيح البخاري رقم - 1631  باب الرمل في الحج والعمرة.سنن البيهقي كتاب الحج حديث رقم 9544.

نطق عمر بنفاق محمد وريائه لعابدي الصنم وقصة الغرانيق قصة أخرى لنفاقه والتي يحاول المسلمون عبثا الهروب منها. وهناك العديد من آيات القرآن وأحاديث النبي التي تحمل الموقف ونقيضه من النصارى ؛ لكن ما ذكرته كان لمحة بسيطة لفهم موقف محمد في نفاقه للنصارى وأهل الكتاب وحتى عابدي الصنم ؛ والآن أعود إلى سورة الروم ونفاق محمد:

الم 1 غُلِبَتِ الرُّومُ 2 فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ 3 فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ 4 بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ 5 وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ 6 (الروم)

لقد وقفت أمام هذه الآيات وكان ليّ فيها أسئلة محددة مهمة ورحت أبحث عن إجابات لها ؛ لماذا حاربت الروم الفرس؟ ما الذي أسترده الروم من يد الفرس وفرحوا به فرحا عظيما؟ لماذا فرح المسلمون بنصر الروم وإستردادهم صليب الصلبوت أليس هو الوثن الأعظم أو الصنم الأعظم؟ لماذا يسمي القرآن أنتصار الروم بأنه نصر الله؟

في الفترة بين سنة 622 وسنة 628 م. أنتصر هرقل وأعيد الصليب المقدس أو صليب الصلبوت إلى موضعه في القدس في موكب حافل عظيم ؛ هذا الصليب الذي كان الفرس قد أخذوه من الروم وفرح مشركي مكة بأنتصار الفرس ؛ ثم أنتصر الروم وأستردوا صليب المسيح وفرح الروم كما المسلمون بهذا النصر ؛ فهل هذا ما أسماه القرآن نصر الله؟ ؛ هل برجوع صليب الصلبوت إلى النصارى الروم يفرح النبي والمسلمون وإله القرآن ويسميه نصر الله؟.

قال أبن كثير في البداية والنهاية يوضح لنا ما هو نصر الله أو صورة من صور نصر الله : يقول أبن كثير أن في واقعة عين جالوت أنتصر قطز على التتار .... فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم، ويستفكّون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه فجاوبتها دق البشائر من القلعة وفرح المؤمنون بنصر الله فرحاً شديداً، وأيد الله الإسلام وأهله تأييداً وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون‏.‏

فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها فاحترق دور كثيرة إلى النصارى، وملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة، وهمت طائفة بنهب اليهود‏.‏

(*) البداية والنهاية لأبن كثير باب واقعة عين جالولت باب سنة ثمان وخمسين وستمائة.

ذكر ابن تغري بردي : فلما هرب نواب التتار حين بلغتهم الكسرة أصبح الناس وتوجهوا إلى دور النصارى ينهبونها ويأخذون ما استطاعوا منها وأخربوا كنيسة اليعاقبة وأحرقوا كنيسة مريم حتى بقيت كومًا وقتلوا منهم جماعة واختفى الباقون‏.‏

(*)النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ابن تغري بردي.

هذا هو نصر الله أو صورة من صور نصر الله التي تفرّح قلوب المسلمين. لكن في سورة الروم ؛ ما هو نصر الله؟ لقد فرح النبي والمسلمون بنصر الروم نصر الله فما الذي أسترده الروم في نصر الله هذا؟   

يقول أبن الجوزي : وأما قيصر وهو هرقل ملك الروم فإنه كان قد ظهر على من كان بأرضه من فارس وأخرجهم منها وانتزع له منهم صليبه الأعظم وكانوا قد استلبوه إياه فخرج من حمص يمشي على قدميه‏.‏

(*)المنتظم في التاريخ أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن الجوزي الجزء الثالث باب بعث رسول الله صلعم الرسل.

قال الإمام أبو الفرج في الأغاني : حدثني عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان الثقفي قال حدثنا داود بن عمرو الضبي قال حدثنا المثني بن زرعة أبو راشد عن محمد بن إسحاق قال حدثني الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن عتبة عن ابن عباس قال حدثني أبو سفيان بن حرب قال : كنا قوماً تجاراً، وكانت الحرب بيننا وبين رسول الله صلعم قد حصرتنا حتى نهكت أموالنا. فلما كانت الهدنة هدنة الحديبية، بيننا وبين رسول الله صلعم خرجت في نفر من قريش إلى الشأم، وكان وجه متجرنا منه غزة، فقدمناها حين ظهر هرقل على من كان بأرضه من الفرس، فأخرجهم منها وانتزع منهم صليبه الأعظم وكانوا قد استلبوه إياه. فلما بلغه ذلك منهم وبلغه أن صليبه قد استنقذ منهم، وكانت حمص منزله، خرج منها يمشي على قدميه شكراً لله حين رد عليه ما رد ليصلي في بيت المقدس تبسط له البسط وتلقى عليها الرياحين.

(*)كتاب الأغاني لأبو الفرج الأصفهاني باب ذكر أبي سفيان وأخباره ونسبه. البداية والنهاية لأبن كثير. باب كتاب بعث رسول الله صلعم إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم. تاريخ الطبري باب ذكر خروج رسل رسول الله إلى الملوك.

لقد ذكرت بعضا مما قاله المؤرخون بعد أن فشلت أن أجد إجابة عن أسئلتي في كتب المفسرين الذين حاروا وداروا وسطروا العشرات من الصفحات ليطلعونا على مهارة النبي وأبو بكر في المقامرة والرهان ولعب الميسر مع مشركي مكة وراحوا يرغون ويزبدون على أن تلك الحادثة كانت قبل أن ينزل التحريم للمقامرة أو الميسر أما ما عدا ذلك ففضيحة أشد وأقسى فال المفسرون : " غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِى أَدْنَى ٱلأَرْضِ " أن فارس غزوا الروم فوافوهم بأذرعات وبصرى، وقيل بالجزيرة وهي أدنى أرض الروم من الفرس فغلبوا عليهم وبلغ الخبر مكة ففرح المشركون وشمتوا بالمسلمين وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن عليكم فنزلت  الآية. ويطلعونا على قرأة أخرى تقلب الموضوع رأسا على عقب وتقلب القرآن وتجعله عرضة لقلب معانيه بسبب التشكيل وإختلاف القراآت فقالوا وقرىء غَلَبَت بالفتح و سَيُغْلِبُونَ بالضم ومعناه أن الروم غلبوا الفرس على ريف الشام والمسلمون سيغلبونهم، وفي السنة التاسعة من نزوله غزاهم المسلمون وفتحوا بعض بلادهم. وهنا نجد أن كل شئ أنقلب رأسا على عقب فالعداء في القرأة الحالية هو بين الروم النصارى والفرس الكفار أما في القرأة الثانية فالعداء والحرب بين الروم النصارى والمسلمون! ونصر الله في القرأة الأولى هو نصر الروم وإسترداد الصليب وهى القرأة الحالية أما القرأة الثانية فنصر الله هو نصر المسلمون على الروم النصارى أما قصة المقامران محمد وأبو بكر فممكن أن تضعها في أي قرأة حسب الظرف الذي تتحدث فيه ؛ فالحنفية جازوا العقود الفاسدة في دار الحرب. هل عرفت المآسي والمحن والفخاخ المنصوبة لعقول المسلمين داخل كتب التفاسير؟. هل عرفتم حجم الورطة والتخبط اللتان غرق فيهما كل من حاول أن يفسر القرآن الغامض المبهم؟. هل عرفتم حجم الهول بين قرأة للقرآن وأخرى وكيف يتغير النصر إلى هزيمة والصداقة والمودة إلى عداء وتنقلب كل معاني القرآن بمجرد الأختلاف بين قرأة بضم الغين أو فتحها في كلمة واحدة "غلبت"؟ هل عرفتم حجم الكذب والتلفيق اللازمان للملمة الخروق وتغطية العيوب في قرآننا وأحاديث محدثينا؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

      الصلب والصليب في القرآن

صلب المسيح في القران والحديث وكلام المفسرين أوقعني في حيرة ما بعدها حيرة في قضية من القضايا الجوهرية والتي كان بالأحرى أن يوليها القرآن آيات أكثر قطعية وأكثر وضوحا وجلاء مما هو موجود في القران ؛ حيث أن قضية الصلب والصليب من القضايا الفارقة بين المسيحية والإسلام. أما أقوال المفسرين فكانت أكثر عجبا وغرابة وزادت من حيرتي فلم يتفقوا على موت المسيح أم لا!! ولم يتفقوا على صلب المسيح أم لا!!

أما الذين قالوا بالشبيه فلم يتفقوا على الذي وقع عليه الشبه وراحوا يقولون قصص لم يرتقي سندها إلى النبي ولو ذكرها غيرهم لقالوا أنها من المدسوس أو الضعيف أو المقطوع أو ...   

هل مات المسيح؟

وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا 33 ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ .. 34 (مريم33:19)

إذا كان القرآن كتاب مبين وواضح فالآية قالها المسيح في ميلاده فالترتيب واضح ولادة موت وبعثه حيا لكن لنرى كيف تخبط المفسرون ولفوا وداروا  

يقول الطبري : وقوله : " والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا" يقول : أمنه الله من الشيطان وجنده يوم ولد من أن ينالوا منه ما ينالون ممن يولد عند الولادة , من الطعن فيه , ويوم أموت , من هول المطلع , ويوم أبعث حيا يوم القيامة أن ينالني الفزع الذي ينال الناس بمعاينتهم أهوال ذلك اليوم.

17873 - حدثنا ابن حميد قال : ثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه  " والسلام علي يوم ولدت ويوم ... " قال : يخبرهم في قصة خبره عن نفسه , أنه لا أب له وأنه سيموت ثم يبعث حيا , يقول الله تبارك وتعالى : " ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون"

 (*) جامع البيان للطبري

هذا ما قاله الطبري في تفسيره أما ما قاله الطبري في تاريخ الأمم والملوك فشئ آخر.

حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عمن لا يتهم عن وهب بن منبه اليماني قال : توفي الله عيسى بن مريم ثلاث ساعات من النهار ، حتى رفعه الله إليه.

(*) تاريخ الطبري باب القسم الأول من ذكر الأحداث التي كانت في أيام ملوك الطوائف.

وهنا بدأت صدماتي فالطبري يذكر في تفسيره بأن المسيح سيموت ولكن كم مدة موته ؟ يجيب الإمام الطبري على نفسه في كتابه تاريخ الأمم والملوك بأن المسيح توفى ثلاث ساعات قبل رفعه لكن كيف توفى؟ لا أحد يدري حتى القرآن لا يدري وحتى محمد لا يدري فهل قال باقي المفسرين بمثل ما قال إمام المفسرين هذا ما سنراه.

أما الإمام القرطبي فقال : "يَوْمَ وُلِدْتُ " يعني في الدنيا. وقيل : من همز الشيطان." وَيَوْمَ أَمُوتُ " يعني في القبر" وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا " يعني في الآخرة. لأن له أحواله ثلاثة في الدنيا حيا, وفي القبر ميتا, وفي الآخرة مبعوثا ; فسلم في أحواله كلها وهو قول الكلبي. ثم انقطع كلامه في المهد حتى بلغ مبلغ الغلمان .

قال قتادة : ذكر لنا أن عيسى عليه السلام رأته امرأة يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في سائر آياته فقالت : طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعك ; فقال لها عيسى عليه السلام : طوبى لمن تلا كتاب الله تعالى واتبع ما فيه وعمل به .

(*) تفسير القرطبي

هل قال القرطبي أن المسيح مات؟ قال تلميحا خجولا أن المسيح سلم في أحواله كلها في الدنيا وسلم فعل ماضي فمعني ذلك أن المسيح جرت عليه الثلاثة أحوال ولادة وموت وبعث لكنه يشير في مقدمة تفسيره أنه سيبعث يوم القيامة فهل للمسيح بعث مرتين؟ كيف مات المسيح؟

 

أما أبن كثير فقال : وقوله " والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا " إثبات منه لعبوديته لله عز وجل وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويمات ويبعث كسائر الخلائق ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد صلوات الله وسلامه عليه .

(*) تفسير أبن كثير

من هذه الآيات نجد الترتيب المنطقي والعقلي السلام للسيد المسيح في ميلاده وموته وبعثه حيا ؛ هل مات المسيح قبل الرفع؟ وبرغم وضوح الآية والترتيب المنطقي والعقلاني فالولادة بعدها الموت ثم بعده الرفع أو البعث ... لم يقطع أحدا من المفسرين بموت المسيح بل داروا وحاروا فقال الطبري في تاريخه بأن المسيح توفى ثلاث ساعات أما الباقون فقالوا كلاما لا يرتقي لقطع أو جزم ثم جاءت الآية التالية التي في آل عمران التي تقول بالوفاة قبل الرفع !!!

وفي الآية الثانية التي ذكرت الوفاة فالرفع جاء بعد الوفاة أو بعد أن الله يتوفاه لكن الأمر الغريب برغم أن الآية مهمة وخطيرة ؛ يلف المفسرين ويقولون الوفاة بعد أن ينزل قبل يوم القيامة ويتزوج ويصلي خلف النبي ثم يموت ثم يبعث ؛ أنا لا أعرف لماذا هذا اللف والدوران والتوهان ؟؟ هل في الاية أي دلالة على أن الوفاة بعد نزول عيسى قبل يوم القيامة ؟؟

إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي مُ